أهلا وسهلاً بك زائرنا الكريم
نرحب بك ونتمنى ان تتكرم بالتسحيل
او اذا كنت عضو فعليك بتسجيل دخولك
مع تحيات
منتديات جبل حبشي


منتديات من لا منتديات له



 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الجمعة 8 يوليو 2011 - 21:01

من حياته
- من مواليد 12 نوفمبر 1939م بمدينة دبر برهان (أثيوبيا) والده يمني وأمه
أثيوبية.
- درس في مدرسة الجالية اليمنية في أديس أبابا.
- زار اليمن أول مرة وعمره 6سنوات عام1946م ولفترة قصيرة.
- عاد إلى اليمن في المرة الثانية عام 1954م وتزوج في نفس العام.
- سافر إلى القاهرة للدراسة في عام 1955م.
- طرد من مصر في يونيو بتهمة الانتماء إلى (اليسار).
- سافر إلى موسكو ودرس في معهد جوركي للآداب.
- عاد إلى اليمن بعد قيام ثورة 26 سبتمبر عام 1962م.
- اشتغل في عدة مناصب في مكتب رئيس الجمهورية العربية اليمنية في
موسكو وبرلين ومقديشو, وأخيرا ً مديرا ً عاما ً لشركة الطيران اليمنية.
- أسس الدار الحديثة للطباعة والنشر بتعز.
- سجن لمدة عام في 1968م ثم ثمانية أشهر في عام1972م.
- له من زوجته المرحومة"مشلى" أيوب, بلقيس, ومن زوجته السويدية" سارة"
فاطمة.
- نشر مجموعة الأولى" الأرض يا سلمى" في عام 1966م و" شيء اسمه
الحنين" في عام1972م.
- توفى في حادث انفجار طائرة كانت تقل دبلوماسيين من جنوب اليمن
30/4/1973م.


المصدر : موقع الروائي محمد عبدالولي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الجمعة 8 يوليو 2011 - 21:06

اعمال الاديب محمد عبدالولي

يمامة

أسموها يمامة. ولم يكونوا مخطئين.

كانت بيضاء اللون نقية الوجه لها أنف أغريقي رائع وفم صغير تبدو منه حبات اللؤلؤ، وعيونها بلون البن.

كانت متوسطة القامة، نحيلة برشاقة وكان جمالها حزينا. كانت أفكارها الهادئة أكثر حزنا. ابتسامتها كانت نادرة، وكأن الابتسامة كنز تخاف

أن ينتهي.

قلت لها: لماذا أسموك يمامة؟

قالت: الناس تحب الأسماء الرقيقة القابلة للكسر أو الذبخ.

قلت: أحياناً تكون الأسماء مطابقة.

قالت: عندما يصلون إلى عمق الأشياء.

خرجت من سجنها العشرين قبل أيام من لقائنا. دوهمت ذات ليلة عندما كانت مع مجموع من الرجال والنساء.

قالت أنهم كانوا يحتفلون،، وعندما سئلت بماذا؟ كانت إجابتها بأي شيء. الحياة ملل وعلينا أن نحتفل كل يوم لننسى.

وكان نصيبها السجن وشدد عليها أكثر عندما رفضت أن تغادر السجن في إحدى الليالي لتحتفل مع من اعتقلها.

وبقت أكثر مما قدر لها عندما استمر رفضها.

وفي السجن تعرفت على نساء أكثر. لكل منهن قصة وكانت فرص ناد لسماع قصص أندر.

كانت اليمامة من أجل من في السجن وكانت البراءة تموت فوق عيونهن.

وكانت هي أكثرهن براءة.. مزق التشرد حياتها وكانت عائلتها أقسى عليها من القدر صنعت مأساتها وقذفتها إلى الشارع طردتها بعد أن

سحبت منها البركة والاسم واختفى اسمها الحقيقي ومات بعد أن كانت " اليمامة " تنطق بكل شفاه.

صنعت ملجأ لها بعد الخروج من السجن وفي أعماقها جرح لا يندمل. ودم يسيل في قلبها، وسخرية من الكون كانت مع من شرد في منزل

واحد يحتفلن يسخطهن على العالم وعلى من سجنها وأكثر على من أطلقها من سجنها.

وكان صوت الحارسة وهي تصرخ " مطلقة مع أداتك " تتمنى، وتتمنى في نفسها أن لا تطلق خفوا من أن ينقطع النقد مقابل خدمات ما بعد

الغروب.
***
" يمامة " حزينة وكئيبة دائما لا تعرف شيئاً سوى جدران السجن معظم أيام العام. كان طريق السجن في فم كل ضابط أو جندي ترفض أن

تمنحه متعة لا ترغب فيها.

ولم تكن تهتم، أخذوها أكثر من مرة وحقدوا عليها مرات. ولكنها لن تهتم.

في عينيها تظل براءة مطلقة، وفي وجهها صفاء ملائكة لم يعرفوا خطيئة.

قلت لها ذات يوم بعد أن خرجت من سجنها ألما بعد العشرين.

-ألا تخافين أن تنتهي هكذا.

قالت: قلت يوما أن زرقاء اليمامة قتلت لأن أهلها لم يصدقوها.

قلت: نعم أذكر.

قالت: أنا مثلها.

قلت: ولكنك لا تملكين قدرتها على الرؤية.

قالت: اكتشفت الواقع بما أعانيه.

كانت تمنح اللذة هكذا، دون أن تأخذ منها شيئاً من كل ما في هذا العالم.

عندما يأتون تكون قد استعدت، وعندما تسجن لا تقول لا، الحياة عندها مهزلة سخيفة، ويجب أن لا تنظر إليها باهتمام وكانت لا تزال تملك

فراشها الذي تركته ينتظرها في سجنها.

قالت ذات يوم: أتعرف أنك أبله.

قلت: لماذا

قالت: لأنك تأخذ الأمور مأخذاً جاداً.

قلت: وهذا في نظرك بلاهة.

قالت: وهي تهز أكتافها بعدم اهتمام.

-نعم-لا شيء في اليمن يستحق الاهتمام، حتى الحب أصبح بلا طعم.

وغابت عني أيام. وسألت عنها فقيل.

-مسكينة-الم تعلم.. إنها في السجن.

هكذا كانت اليمامة تمنح في السجن بإخلاص كل شبابها ولم تكن تهتم .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الجمعة 8 يوليو 2011 - 21:07

ليته لم يعد

ترددت الصرخات من جانب الجبل. ولم يكن في القرية سوى أطفال ونساء مسنات أما الرجال والنساء القادرين على العمل فكانوا في

الحقول، وردد الصدى أصوات مبهمة.. ومن الوادي كان رجال يحملون نعشاً تمدد عليه شبح إنسان.. ولم يكن قد مات بعد.

القرية تحتويها شمس كئيبة.. وريح تصر، والأرض ظمأى تنتظر المطر والسماء لا تنذر بشيء .. العام عام آخر من القحط.. يهز العجائز
رؤوسهن.

- لم أر ألعن من هذه الأعوام..

- كانت أيامنا أيام خير..

وتهمس نساء.

- لقد هاجر الرجال..

وكانوا يعودون، ولكن على أكتاف رجال آخرين..

الآن النعش يزحف في عوارض الجبل ببطء.. العرق يتصبب من وجوه الرجال.. وكانت أصوات لا تزال تسمع..

وقالت إحداهن:

-هل تسمعون الصوت..

ولم يحمل الهواء سوى مقاطع مبهمة، العرق لا يشبع عطش الأرض، ولكن الرجال والنساء يستمرون بإصرار في منح الأرض اليابسة

مزيدا من عرقهم.

وردد الجبل الصدى.

-أوه.. أواه..

كان المنزل مغلقا حتى الأطفال كانوا مع أمهم في الأرض اليابسة.

كانوا ثلاثة.. أم وطفلان أرهقها العمل.. جلست لتمسح عرق جبينها وشرب الأطفال ماء.

وصك سمعهم الندا..

-هل عاد..؟

صاح الأطفال:

-إنه أبانا.. يقولون أنه أبانا في الطريق إلى القرية.

ركض الأطفال نحو الجبل..

وجمعت المرأة أشياءها القليلة وعادت لتستقبل زوجها العائد، في أعماقها ضربات سرور. لقد عاد أخيراً من رحلة استمرت أعواماً لم تعد

تذكرها.. أنها بعمر صغيرها. الذي راح يركض نحو الجبل لا يعرف حتى شكل أباه.

حملق الأطفال في الرجال القادمين كانوا يسبحون في عرقهم، وسمعوا صوت أنين خافت من على النعش.

سأل الصغير بقلق:

- من هو أبانا.

كان الكبير خائراً، إنه لا يتذكر وجه أباه فقد غاب عنه ذلك الوجه منذ أن انعطف قبل سنوات من إحدى منحدرات الجبل وكان أخاه لا يزال

قابعاً في بطن أمه.

نظر الرجال بصمت إلى الأطفال وتجمعت نسوة فوق منازل القرية.

وحمل النسيم أصوات نساء..

- لقد عاد.

-يقولون أنه مريض..

-أنه محمول على جنازة..

- لقد أصابه شيطان البحر..

كانت توقد المدفأة. وتعد بقلب واجف قهوة للرجل القادم.

نظرت إلى نفسها صدفة في مرآة محطمة.. كانت خائفة لقد عجزت ولم تشعر.. بدأ من فوق دارها خيط من الدخان ستعد له عشاءاً دافئاً. ذهبت

تجري إلى ديمتها أخرجت من تحت سريرها الخشبي القديم وعاء أسود، احتفظت فيه بكل ما جمعته من السمن.. حرمت نفسها وأطفالها للعائد

الذي اقترب موعد وصوله.

كان الأطفال يتهامسون.

-لماذا هو على النعش؟

أجاب الكبير..

-لأنه متعب..

سمعت أصوات رجال على السلم.

-أحمل من تحت.

- بهدوء.

-لا تجعله يهتز..

لعلهم يحملون أشياءه التي أتى به معه

وسمعت صوت طفلها من خلفها.

-أنه مريض.. أنه محمول على جنازة..

لم تشعر بأن يدها كانت تلمس ناراً تجمد عيونها على الظلام وفي أعماقها كان يتفجر شيء غامض.. مخيف لا تعرفه.

صوت الرجال لا يزال على الدرج المظلمة.

- أين نضعه؟

- هناك في غرفة النوم.

- لا.. لا.. الأفضل في المفرش.

هناك الهواء أكثر.

وصاح أحدهم.

- أين أنت يا زوجة؟.

لم تكن هناك.. أحقا أنه لم يعد.. أحقاً أن ما يحدث هنالك تحت هو شيء واقعي..

غاب كل شيء عنها.. حتى عيون أطفالها الفضوليين.

عاد الرجال إلى القرية، وكانت النساء يتحدثن عن أزمة القرية..

-ماذا ستصنع الآن زوجته؟

- لعلها ستعتني بزوجها..

-يقولون أنه لا يملك شيئاً..

- لقد سرق الأطباء كل نقوده.

همست عجوز.

-لقد سحرته امرأة في المدينة..

نظرت إلى الزاوية حيث مددوه، كان عظمي أسمر، لا شيء من ذلك الرجل الذي اعتصرها فترة حتى كادت أن تموت.

عيناه فقط تدلان على أن الوجه له..

حملق الأطفال في الجسد الممدود..

لم يتخيل الصغير أنا أباه.. لقد رسم له في أعماقه صورة أخرى عملاقة، قوية، عاطفية.. كان كالأغنية التي كانت أمه ترددها وهي تطحن

مساء حبوب الشعير..

أما الكبير فلم يكن يعرف ماذا يفعل.. ظل مبهورا لساعات.. أباه الذي قبله لم يكن هو هذا الممدود هنا، لعل الرجال في الوادي، قد اخطأوا

ونقلوا إليهم شخصاً آخر. ولكن أمه صامتة لا تتحدث إنها تنظر إليه لعلها لم تتبين الخطأ..

- أماه.. نه.. ليس..

وقاطعه صوت أنين.

- أريد ماء.. ماء.. ماء..

جرت الأم إلى زير الماء.. اقترب الأطفال من الجسد. حتى العيون أغمضت..

لم تترك الأم مكانا لولي إلا وزارته، ولا سيدا إلا نذرت له، ولا مسجداً إلا وأعطته من يقرأ فيه القرآن، حبوبا وسمنا ولبنا، لكنه ظل على

السرير، لا يتحرك عيناه تزوجت بالسقف ورأسه لا يتحرك ولكنه لم يمت؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الجمعة 8 يوليو 2011 - 21:10

شئ اسمه الحنين

الطريق يتلوى كالأفعى والشمس تختفي خلف سحابة سوداء، ورذاذ بسيط يتساقط. السيارة تنطلق مسرعة وهي تتلوى مع الطريق بألم.

كنا اثنان والصمت ثالثنا منذ أن غادرنا صنعاء بعد ظهر يوم كئيب تهطل الأمطار فيه منذ الصباح وها هي السحب هنا فوق الطريق تنذر

بالسيل. السيارة صغيرة وسريعة والطريق طويل والجبال تحيط بنا من كل جانب، ولن ينبسط الطريق إلا بعد أن نتعدى " باب الناقة "

ونستقبل تهامة الرحيبة.

كنت أريد أن أقطع الصمت، فإن يسوق الإنسان سيارة سريعة ولمسافة طويلة عمل ممل ومتعب، والأعصاب مشدودة والرذاذ يعمي زجاج

السيارة الأمامي، والماسحة تعمل قليلاً ثم تقف:

قلت: بماذا تفكر؟

نظر إلي، ابتسم وهز رأسه.

-لا شيء، الحقيقة لا شيء ذو بال..

صمت قليلا، أشعل سيجارة ثم قال.

-هذه البلاد تقتل في الإنسان حاسة التفكير، تبلد الحس، وتنهى مع مرور الزمن نشاط خلايا المخ القابلة للتفكير.

إننا نتجمد نتبلد نموت كل يوم.

ضحكت، وانطلقت السيارة بعد أن خرجت من انحناء جبلي، وهطل المطر بسيطا في البداية ثم انهمر بغزارة، كانت المساحة تعمل بكسل

وشعرت بحبات المطر تخترق النافذة وتنهمر فوق وجهي كانت حبات منعشة لذيذة، وأخرجت يدي إلى المطر فابتل القميص وكنت في منتهى

السعادة بينما أغلق صديقي النافذة المجاورة له وراح ينفث دخان السيجارة بشراهة. قلت- لو كان معنا قليلا من الشراب لوقفنا هنا واحتسيناه

فوق قمة هذا الجبل مع ماء المطر البارد.

قال-لقد توقفت عن الشراب منذ ستة أشهر، أصبحنا مدمنا، تمزق كبدي، ولم أعد احتمل: قال الأطباء إما أن تنتهي أو تقف، وتوقفت لا قات،

لا شراب لا نساء ضياع كامل في هذا البلد، لعن الله الساعة التي جعلتني أتشجع وأعود إليها أما كان الأجدى أن أبقى هناك إلى الأبد-قلت:

ولكنك ستعود قريباً، هز رأسه: ولكن بعد ماذا، بعد أن شبت، وأصبحت هيكلاً لا يصلح لشيء هنا، ولا أدري هل سأستعيد ذلك هناك إذا

عدت.

قلت والسيارة تنطلق والأمطار حولنا وجبل النبي شعيب مهيباً على يميننا شامخاً كعادته ينظر إلينا وإلى الطريق وربما إلى صنعاء التي

غابت بعيداً باحتقار. هل وصل بك الحال إلى هذه الدرجة من اليأس إذن ماذا نعمل نحن المساكين الذين حكم علينا بالبقاء هنا ربما إلى الأبد،

إذا كنت أنت الإنسان الغير مرتبط بشيء لا عائلة؛ لا أطفال.. وأمامك المستقبل كاملاً، فأنت شاب صحيح الجسم ماذا ينقصك، ستجد أمامك

أمريكا كما تركتها وربما أكثر نضجا وأكثر شبابا ستجد الهيبيز هناك بكل سخافاتهم وإيمانهم، أنت لم تفقد شيئاً بعد، أما نحن...

وانطلقت السيارة، وصوت العجلات فوق مياه الأمطار الساقطة تصل إلينا كموسيقى صادحة، وجبال بني مطر تتابع أمامنا.

نظر إلي وقال:

بالله قل لي هل هؤلاء-وأشار إلى القرية المعلقة في الجبال-يعيشون حياة إنسانية، أتذكر قبل سنوات والحرب دائرة أنهم كادوا يقتلوننا هنا

مجموعة من الحفاة العراة، كل ما له قيمة كانت بندقيتهم فقط، أية حياة بالله أن تكون نهايتك على يد مثل هؤلاء؟ ألهذا تعلمنا وسافرنا؟ وحلمنا

بالعالم الجديد؟ وبأننا سنناضل ونبني!! لمن؟ لهؤلاء!! الذين يبيعونك بجنيه ذهبي وأحياناً بلا شيء، يا إلهي. واختنق صوته.. كان ألما ما

يمزق أعماقه، وبأس قاتل يحتويه، كنت أعلم من قبل أنه يعيش في ألم كبير. تخلى عن أسرته، وأصدقاءه، وعاش وحيداً في سهول تهامة،

يحفر الآبار لمن يدفع ويستلم راتبه، لا يشرب، لا يأكل القات ولم يتزوج، تمزقت أحلامه منذ زمن بعيد ومنذ ذلك الوقت وهو يحلم بالعودة

إلى الولايات المتحدة حيث كان يدرس قبل الثورة. عرفته عندما عاد يحمل في عقله مشاريع وفي أعماقه حماس لا ينضب ومر الوقت

وتساقطت الأحداث. وتساقطت معها مشاريعه وأحلامه، ومن يومها وأنا أراه ينحل، وظهره ينحني؛ والأعوام ترسم على وجهه خطوطها

القبيحة.

أطلت جبال الخيمة، وكانت الأمطار قد توقفت. المدرجات تحتضن الجبال وقد ارتوت والمنازل عالية فوق القمم الإنسان هنا نسر يحلق عاليا،

ولكنه يحيا حياة القاع.

-هل نحن هنا في القرن العشرين؟

لا أصدق!! ما حولي يوحي بأننا جزء من كتاب تاريخي قديم، فتحت صفحاته خطأ.. رجعت أعيش في هذه الصفحات، أحياناً وأنا أسير في

شوارع تعز أو الحديدة أو صنعاء أتذكر أنني كنت يوما ما في شيكاغو، ولا أصدق! لا صدق أنني لم أزل هناك، أقول لنفسي فجأة أين أنا في

الحقيقة؟، هناك في أمريكا، أم هنا وسط صفحات التاريخ القديمة، واحتار كثيرا اختلطت في الأمور علي. لا تنظر إلي، أنظر أمامك لا أريد

أن أموت على الأقل هنا، إذا كنت أنت يائسا فذلك شأنك، أما أنا فإنني سأذهب إلى هناك قريباً.

ضحكت وقلت: لا تخف ستصل سليما إلى الجديدة، ولكن هل تخليت فعلا عن كل شيء، الوطن، الحرية، المستقبل، الضمير، كل شيء هكذا

فجأة.

ضحك باستهزاء..

كلمات، يا عزيزي كلمات، لا معنى لها أن كل ما قلته الآن يباع في كل مكان بالمجان.. الذين علمونا الحرية هم أول من طعنها، الضمير لا

وجود له لأنه عملة زائفة أما الوطن فأين هو؟ هذا الذي حولنا لا تملك منه شيء.. الوطن هو ذلك الذي تستطيع أن تغير فيه. أن تستنبت فيه

أشجارا جديدة، أن تمنحه ويمنحك الحب، الوطن ليس هنا لقد كنت مخطئاً أنه هناك حيث تعمل، وتكدح، وتفكر. هناك كنت يساريا فعلا، كنت

أناضل مع الطلبة، كانت قضية ما تربطني بالجميع أما هنا، فنحن نعيش في داخل أنفسنا ما تفكر فيه لا نستطيع أن نقوله بصوت مرتفع،

الكذب غذاؤنا اليومي، هل تعرف عندما عدت من هناك كنت أفكر في حزب، في عمل جماهيري، في الالتحام والذوبان، والإبداع،

والتضحية، وعندما دخلت مع مجموعة، اكتشفت أنني أعيش وأعمل وسط مجموعة من المجانين. اليساريون عندهم كلمات لا يعرفون تفسير

معناها. تصور واحد منهم يلعن أباه لأنه برجوازي عفن. والأب صاحب صندقة لبيع السجائر. هكذا تقسم التقدميين مجموعة من البلهاء

والصعاليك أصبحوا يسارا هنا، لأنهم لا يملكون فكرا أو فهما لا شيء، لا شيء مطلقا.

لقد صدق الذي قال يوما ما " بأن الوطنية آخر ملاذ للوغد"

قلت: ولكن كل هذا ليس مبرر لليأس، أن تفشل مرة أو مرتين أو عشر لا يعني أن تتخلى أن تهرب.

ضحك مرة أخرى.

-لن أهرب ولن أتخلى، ولكن ببساطة سأعود إلى جذوري إلى هناك لعلني هناك استطيع عمل شيء.

بشارة سرحان عمل هناك أكثر مما يستطيع أن يعمل لو كان هنا، هنا ببساطة سيقتلونه كما يقتل الحكام اليوم المئات مثل بشارة.

وهنا وأشار بيده إلى الجبال. هنا يا عزيزي قتل أيضاً المئات من أمثالنا شباب فيهم حيوية وإيمان. وكانت لهم أحلام، ماتوا من أجل قضية.

والآن ماذا بقي منهم؟؟ هل يتذكر أحد عنهم شيئاً!!! لا.. حتى التضحية هنا جريمة، عملية إجهاض سري لا أوافق عليها، أعرف أن الجميع

سيقولون لقد هرب، لقد تخلى لقد انتهى، ولكني أقول لم أهرب ولم أتخل لأنني لم أبدأ بعد نحن اليمانيون مكتوب علينا أن نهاجر ونهاجر..

بلادنا ليست لنا، هذه حقيقة تاريخية أن لعنة ذويزن تطاردنا وستظل تطاردنا نحن غزاة غيرنا، سيوف غيرنا، بناة بلاد أخرى، هذه الجبال

اللعينة عليها أن تسحق أن تذوب لأنها لا تحمي إلا من يماثلها في الكآبة والفراغ، جرداء هي وجبالها وجرداء هي عقولها وعواطفنا. ماذا

نستطيع أن نعمل؟؟ طاحونة هائلة تبتلع وتبتلع لا أمل سوى أن نذهب بعيداً، لعلنا هناك نستطيع أن نعمل.

وانزلقت السيارة وبدأت تهبط حولنا منازل عالية كانت يوم ما مسكونة، آثار القنابل لا تزال واضحة، الجدران تبتسم ببشاعة وقد حطمتها

القنابل، آثار الحرب على الحقول الجرداء رغم مياه الأمطار الغزيرة.

وصمت صاحبي، في رأسي تدور وتدور طاحونة، أنه على حق في رأيه ولكن هل يعني أن تهرب!! هل ذلك مبرر كاف!! إنه يعمل ويعمل

بصمت وأكثر مما يعمل الآخرون سهل تهامة تشهد له.. حفر أبارا روت عطش مئات من المزارع الصغيرة وكان هو من أخرج المياه لها

لتشرب. كان صامتا في عمله، أكثر من بقية مثقفينا الساكنين في مقاهيهم وملاهيهم، ولكنه الآن سيهاجر، سيعود إلى البلاد التي لعنها يوما

وخرج يحاول أن يهدمها من الخارج والآن يعود إليها.

وجاء صمته، في حزن عذب.

-أمريكا، هل تعرف أنها عالم بذاته كل ما فيها رائع، جبالها وديانها صحراؤها قمم الثلج وبحارها، الله هناك لم يبخل أعطى ريشته حرية

كاملة في أن تبدع. أما هنا فإن الريشة مرت ومعها تراب الأرض، وأصبحت يمننا غبراء، يا إلهي أنني أكره كل شيء كل شيء.. لم أعد

احتمل، لو بقيت فترة أخرى لجننت.

أمامنا كان جبل مناخه شامخاً. وكانت الشمس قد تخلصت من السحب حولها ولكنها كانت باهتة. وبرد المرتفعات يلفنا. وأوقفت السيارة

ونزلت. الهدوء يخيم على المنطقة: المناطق عالية فوق قمم جبال حراز من هنا انطلق يوما الصليحيون، وأصبحت اليمن واحة خضراء،

ولكنها عادت من جديد إلى الجدب ولم يعد هنا صليحيون آخرون.

نظرت إليه، كانت عيناه تعانق الجبال والوديان، كان صغيراً هناك أمام ضخامة الوجود. المنازل المعلقة قرب السماء كانت هي أيضاً

صغيرة والشمس تختفي خلف الجبال:

في خده دمعة تلمع. كان حزنه أليماً وكنت أفكر.

" من مناخه .. " تبدأ الطريق في الانحدار فهنا تنتهي السلسلة الجبلية الكبرى ومن هنا سنخترق إلى التهائم.

الأرض التي أحبها صديقي وأعطاها الكثير. ومن أجلها تخلى عن المدن ولكنها لم تعطه الراحة:

قال فجأة:

-قل لي صادقا، هل تعتبرني جباناً هارباً؟ قل رأيك صريحا، فأنا على الأقل احترمه. لن أقول لك بأنني سأغير رأيي بعد أن تقول رأيك.. كلا

ولكني أريد أن أعرف، فقط أن أعرف.

أدركت أنه يتألم بصمت وأن شيئاً لا يزال يعذبه.

قلت: وهل كل من يهاجر اليوم إلى السعودية أو الخليج يعتبر هاربا متخليا عن وطنه؟

قال: لا تقارني بأولئك، إنهم يبحثون عن لقمة لهم ولأبنائهم وأسرهم أنهم يبحثون عن عمل لم يتحصلوا عليه هنا في بلادهم. أما أنا فاختلف.
أنني أعمل وأجد راتباً ممتازاً يحسدني عليه الكثيرون ومركزي لا بأس به فأنا إذن لا أهاجر من أجل العمل، هنا الفرق.

قلت لا فرق لدي، فأنت تهاجر بحثا عن ذاتك، عن شيء ما فقدته هنا ولم تجده، لذلك تعتقد أنه هناك في مكان ما. أن هجرتك مثل هجرتهم

تماما، بحثا عن شيء ما ينقصك. وبدونه لا تستطيع أن تعيش وكما قلت لو استمر الأمر. فإنك ستجن، لذلك لا بد لك أن تهاجر، لتجد ذاتك.

فكر كثيراً ثم قال:

-قد تكون على حق ولكن... ولكنني لن أعود.. ليس هناك شيء يربطني بهذا المكان لقد انتهت علاقتي بالكل. لن أعود.

قلت: ذلك شيء لا تستطيع أن تقرره يا عزيز، في أعماق كل واحد منا شيء أسمها الحنين، إننا نهرب ونغيب ونلعن كل ما هو حولنا لكن

الحنين يتغلب في النهاية، ستعود يوما ما، لا أدري متى، ولكن هناك لن تجد نفسك، قد تجد ما فقدته هنا، الشوارع المضاءة والنساء الصخب

والعنف، السرعة الجنونية والهدوء الأكثر جنوناً، ستجد كل ما فقدته طوال هذه السنوات، ولكنك ستكون منفصلا عن واقعك نحن كما قلت

جزء من تاريخ قديم صفحاته حقيقية ولا تزال موجودة في هذا القرن، ونحن جزء منها. أتذكر رواية الأفق المفقود؟ ذلك الجزء الغائب في

أعماق الصين حيث يكتشف الناس سر الخلود الكل شباب والشباب دائم وأبدي. ولكن ما أن تغادر الوادي الأخضر ذلك الأفق المفقود حتى

تنهال عليك السنين وتصيح فجأة وقد أصبحت محطما وقبيحا.. هكذا نحن، هناك سر ما في بلادنا هذه، أنا معك جرداء وقاحلة، وأن الأمل في

أن لا يقتلنا هؤلاء الذين لا قيمة إلا لبندقياتهم. ولكن لا نستطيع هكذا الخلاص منهم بسهولة، هناك قدر ما يربطنا بهم ولا نستطيع منهم فكاكا

نحن جزء واحد من كل هذا التخلف، نحن، جزء منه. ولكننا لسنا متخلفين هنا، هناك في أمريكا أو أوروبا نحن لا نستطيع أن نكون متخلفين

مهما كانت ثقافتنا. أما هنا فإننا نحن الواقع لأننا المستقبل. ما فعلته أنت في تهامة ليس تخلفا، أن تحفر بئرا أو تزرع شجرة أو ابني طريقا كل

هذا هو ما يقودنا إلى الأمام.


الاستمرار ذلك هو الشيء، وأنت لن تستطيع هناك الاستمرار لأن التربة هناك ليست في خلايا جسدك وفي خلايا مخك.. في..، خلايا

تفكيرك فيك أنت وأنا وكل هؤلاء من هذه التربة الشيء الكثير.

صدقني هناك ستفقد كل شيء قد لا تندم غدا ولكن اليوم سيأتي سريعا والحنين مع الندم يكونان سمفونية عنيفة قاسية ومرعبة، لا نستطيع

الانفصام عن وجودنا لأنه مهما كان الهروب كان الحنين أكبر.

أمامنا كان باب الناقة، والسيارة تنطلق أسرع وأسرع، كانت الشمس قد غابت وأن بقي الضياء.

ورائحة تهامة، رطبة ممزوجة بالملوحة، مع هواء مشبع بالحرارة.. مزيج غريب هو ذلك الذي تشمه حولك، الطريق الآن أمامنا طويل

ومستقيم والسيارة تسابق الرياح، وزميلي يدخن بصمت.

وكان الصمت مع هبوط المساء حاراً ممزوجاً بالرطوبة ومشبعاً بالحرارة.

محمد عبد الولي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الجمعة 8 يوليو 2011 - 21:11

إمرأة..
كان الوقت ليلاً، وكنا نسير بخطوات بطيئة خائفة، وننظر إلى الأمام بنظرات لا معنى فيها نبحث عن شيء مجهول، ولم يكن لنا هدف معين.
كنا نسير يجذبنا سكون الليل وظلام الأزقة التي نجتازها وصوت أقدامنا وهي تغوص في الوحل الذي صنعته أمطار الصباح.
كانت قهقهات السكارى وبائعات الهوى وأضواء المصابيح التي تنبعث من حانات الشراب تثير الدماء الحارة في عروقنا بالرغم من البرد الذي كان يخز الأجسام.
كنا أربعة... أحمد علي، وهو أكبرنا، في التاسعة عشرة من عمره، أسمر الوجه ذو عينين لامعتين، يتحدث كثيراً عن النساء ويرتجف كلما سمع صوت امرأة. وبجانبه يسير نعمان الذي يستمع إلى حديثه باهتمام بالغ ويرتجف، ويحملق بشراهة في الأبواب المضاءة في ذلك الزقاق ويلهث وهو يتابع الحديث قائلاًً.. هه.. هه.. وبعدين؟ ..
و- الدبة([1]) – بجسمه الضخم الذي لا يناسب أعوامه الستة عشر وهو يلهث خلفنا حين نسبقه، والعرق يتصبب منه وفمه مفتوح عن آخره كأنه يريد ابتلاع الهواء دفعة واحدة ثم وهو يصيح بنا أن ننتظره.. وأخيراً أنا أصغر الجميع في الرابعة عشرة من العمر، نحيف سريع الخطوات، أنظر في فضول إلى أبواب الحانات لعلي أرى ما يدور بداخلها ثم يرتجف جسمي حين أسمع قهقهات النساء أو ظلال أجسادهن داخل الحانات وهن يرقصن أو يغنين.
كان الظلام يغمر الزقاق وأقدامنا تغوص في الأوحال بشدة وموسيقى، وغناء الأحباش تنبعث من الحانات وأصوات الأوتار تشد أجسامنا أكثر فأكثر إلى ذلك الشيء المجهول الذي نبحث عنه.. ونظراتنا التائهة تخترق الظلام لنرى طريقنا ولا نصطدم بالسكارى من النساء والرجال.. وكنا نتخفى بقدر الإمكان حتى لا يرانا أحد معارفنا، فوجودنا في مثل هذه الساعة من الليل وفي حي مثل هذه الأحياء من " أديس أبابا " يثير الشكوك كثيراً.
وتوقفت المجموعة عن المسير في إحدى الأزقة وقال أحمد علي وهو يشير إليّ:
-اسمع يا قاسم " خبي البيريه " حقك حتى إذا وجدنا أحد المعارف نقول له أن أحدهم قد اختطف البيريه وهرب ونحن الآن نبحث عنه.
فهز الجميع رؤوسهم موافقين.. فلقد كنت أصغر الجميع، ويجب أن أطيع. ونزعت " البيريه " من علي رأسي ووضعتها في طيات ملابسي ثم استأنفنا البحث عن المجهول.
كان البرد شديداً والرغبة تلتهب في داخلنا بشدة فنرتجف ونزداد ارتعاشاً عندما يتحدث أحمد عن النساء.
ارتفع القمر من خلف السحب المتراكمة فوق سماء أديس أبابا الحالمة، وأنار الطريق أمامنا فرأينا الوحل وبرك الماء التي تغمر كل أرض الزقاق وأشباحاً تغوص فيه متجهة إلى مكان مجهول قد تعرفه، وقد لا تعرفه مثلنا. وفي الحانات الصغيرة تصدح أصوات موسيقية صاخبة وشيطانية تثير الحيوان الذي يزمجر في عروقنا.
وفي حانات أخرى كانت الموسيقى حالمة وهادئة وسماوية تشعر بالطمأنينة لكن الرغبة تظل كما كانت.
بدا في أول الزقاق شبح أبيض أخذ يقترب منا بسرعة وتوقفنا جميعاً ونحن نظر إلى الشبح الذي أخذ يظهر بوضوح.
كانت امرأة سمراء بلون البن قصيرة ممتلئة الجسم ذات أشعر أسود كخيوط الليل وعينين واسعتين تلمعان وسط الظلام وشفتين لا أحلى منهما. وتوقفت حين رأتنا أمامها وكان " الدبه " يسد الطريق بجسمه الضخم فابتسمت بروعة وقالت:
- هه.. ماذا تريدون أيها الشباب؟
فأجابها أحمد علي ورأيته يرتجف لأول مرة:
- أتأتين معنا..؟
أجابته والابتسامة تنير جمال وجهها:
إلى أين؟
إلى منزلك
قالها " الدبه " بسرعة وخوف، وتصبب من وجهه المزيد من العرق.
- شكراً، لا أستطيع اليوم فلدي هناك رجل ينتظرني، ولكني أستطيع أن آتيكم بفتاة أخرى.واتسعت ابتسامتها وهي تغمز بعيونها وتضيف – أنها أجمل مني وصغيرة... لكن أحداً منهم لم يجب عليها، فقد أحاطوها من كل جانب وأصبحت وسطهم كالفارة في المصيدة.. أما أنا فكنت أرتجف من الخوف والرهبة وداخلي تشتعل نيرات حامية ومن شدة خوفي عدت إلى الوراء خطوات ورحت أحملق في ما يدور حولي.
لم تحاول المرأة أن تعمل شيئاً بل نظرت إلى الزملاء بحنان وعطف تعودت عليه. وتعودت أكثر من هذا في ترويض أطفال آخرين مثلهم.
ونفذ عطرها من خلال الحصار إلى أنفي فاشتد هياجي ورحت في دوامة من العرق وحاولت أن أقترب لكن رجليّ كانت قد تسمرتا في الوحل.
لم يستطع الزملاء إقناعها لأنهم لم يكونوا يعرفون كيف يقنعون، كما أصروا على عدم الذهاب إلى أخرى.
كانت المسألة مجرد مغامرة في نظرهم.
وأرادت المرأة متابعة طريقها، إلا أن الوحوش الثلاثة هجموا عليها من كل جانب وأشبعوها لثماً وتقبيلا.. لكنها لم تهرب ولم تستغث، بل ظلت صامدة لقبلاتهم الملتهبة. إنها تعلم أن تلك الوحوش الصغيرة لا تستطيع أن تنالها بشر، لقد تعودت عليهم، وفعلاً أفسح الزملاء لها الطريق لتمضي ونظرت إليهم. كانت تحمل في عينيها سحراً غريباً لا يقاوم. وقالت وهي تستعد أن تمضي: ألا زلتم مصرين على أنكم لا تريدون أخرى؟ فهز الجميع رؤوسهم في صمت:
-إذن ستجدونني هنا غداً.. سأنتظركم...وأرسل القمر أشعته الفضية بعد أن تخلص نهائياً من سحب أديس أبابا الثقيلة والبغيضة وكشف مخبئي وراءهم وأنا أرتجف... وأرتجف، وعيناي تلتهمان المرأة وعطرها يدغدغ أنفي وفي داخلي تضطرم النار.
رأتني في وقفتي تلك وظهرت أسنانها البيضاء عندما انفرجت شفتاها عن بسمة، وقالت مشيرة إلى زملائي:
-لماذا لم تشاركهم؟
لم أجب؛ وشعرت بالبرودة والعرق البارد؛ واتسعت عيناها بابتسامة:
-يجب أن تأخذ نصيبك أنت أيضاً.. إنك رجل فلا تخف.. هه.. تشجع يا صغيري.
ومالت عليّ وقبلتني على شفتي قبلة طويلة، حارة كدت أستلقي منها على ظهري وشعرت بصدرها يلتصق بصدري وسرت إليّ حرارة صدرها ونهديها الفتيين. وابتسمت وهي ترى النظرة البلهاء على وجهي. كانت عيناها بحيرتي حنان، ثم مالت مرة أخرى وراحت تقبلني على وجهي بسرعة.. فتركت شفتاها الشهيتان آثار نار ومضت.
لم أشعر بأنني أسير. فشفتاي تحملان دفء شفتيها وصدري يحترق ووجنتاي تلتهبان. شعرت بالسعادة وأنا أحمل آثار امرأة لأول مرة.. ورائحة عطرها تفوح من ملابسي. كانت السعادة غامرة.. وتراءت لي عيناها وأحسست نحوها.. بالحب.. تسللت في اليوم التالي إلى الحي ورحت أبحث عن الزقاق ولكن دون جدوى. ورغم حزني إلا أن صدري وشفتي كانت تحمل الدفء.
وفي الليالي المظلمة كنت أرى خلال الظلام عينيها وهما تشعان حباً وحناناً.. ودفئاً.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الجمعة 8 يوليو 2011 - 21:12

جويتــــا
الممر الضيق تغطيه أشباح أشجار.. نزع الشتاء عنها ملابسها.. وبرد خفيف يثير في نفسي الأشجان إلى سماء عدن الرصاصية ونسيم البحر على ساحل المعلا.. ولفحات من هواء كريتر.. آه لماذا لا يوزع الاله بالعدل كل شيء في هذا العالم.. سخيف أن نفكر هكذا.. سخيف جداً.. فالاله قد مات منذ سنوات.. ونيسنا حتى مكان قبره.. تذكرت فجأة مكان الأيقونة على سرير فتاة سمراء من أرمينيا لم تقل لي أنها مؤمنة.. نظرت إلي ولم تجب.. مرة أخرى.. آوه الحمد لله لقد شبعت. كان الأكل في المطعم هذا المساء جيدً.. وقارورة بيرة عذبة.. كانت مثلجة..
- مساء الخير أيتها الحسناء.
- صه.. ماذا تريد..؟
- عجيب.. أتسخرين من إنسان يحمل لك أجمل الشعور.
- هل أنت سكران…؟
- نعم.. لأن عيونك زرقاء..
- سخيف..
- لو لم أكن سخيفاً لما تكلمت معك.
- أنك تجيد اللغة.. والحديث.
- معك.. أنني أشعر بأن لساني يتحرك بدون إرادة مني..
- غريب.. هل أتيتم هنا(للتمشية؟؟).
- لماذا؟؟ أتعتقدين أن حديثي معك حديث فارغ.
- طبعاً.. مادام سينتهي إلى لا شيء.
- لم أطلب منك ميعاداً..
- ولن تجده.. لأن لدي صديق..
- …………………………….
- ……………………………..
- ……………………………..
- ……………………………..
- ……………………………………
- ……………….
- ايه أيها الفتى
- نعم
- من أين أنت؟
أيه يا صديقي الذي يترنج بروعة.. أتدري أن البحر في بلادنا أرجواني..
- من بعيد..
- ليأخذك الشيطان.. من أي بلد؟
- من البحر الأحمر..
مضى وهو يتمم
- لديهم المياه تتحول إلى دم
دم.. والبرد الذي يزيل عن الثلج لونه الأبيض.. كبياض الزبد في ساحل تهامة وكالسحب فوق قمة – كوكبان.
- مساء الخير..
- أوه جريتا أنا مسرور لرؤيتك..
- كنت أفكر وأنا أنظر إليك.. لكني عرفتك.
- أنك طيبة.
- لماذا لم تزرنا؟
- أوه ألا تدرين.. أن لدي عيداً في هذا الأسبوع..
- أي عيد..
- أه أنه عيد ديني..
- لكني كنت أظن أنك لا تؤمن..
- نعم أنت على حق.. لكن عندما تصل المسألة إلى الأعياد.. فأنني من أشد المتحمسين للإجازة.. أن ابتسامتك أيتها الأسيوية تجذبني.. إن فيها الكثير من الحزن. أنني أتخيل إن حزني قطرة في بحر أحزانك.. لماذا تنظرين دائماً إلى السماء.. كل شيء هناك أسود أسود يا جريتا كطعم الندم في فمي..
- هل تكتب لك خطيبتك..
أتريدين أن تثيري في قلبي آلاماً حادة يا ساحرة..
- أعذرني.. لقد رأيتك تتحدث مع فتاة.
- نعم.. لقد كنت أسألها أهي مؤمنة؟
عيناك تزرعان في قلبي أزهاراً دموية.. يا جريتا.. خذي عن وجهي عينيك.. أرجوك.. أنني لا أستطيع تحمل كل هذه الآلام.
- أيهمك أن تعرف الأخرين؟
- أحياناً .. يا جريتا..
- أنك تنطق أسمي بروعة.
- لأن أسمك يحمل بالنسبة لي معنى كبيراً. إنك تنظرين إلى الأرض أتذكر تماماً.. عندما كنت أحب هذه الأرض إلى درجة أنني كنت أشعر بحلاوة ترابها.. لكن يا جريتا كنت طفلاً وقتها.. طفلاً..
- في ماذا تفكر؟
- جريتا.. أنني أفكر كيف أقول لك إنني منذ أيام أشتريت تذكرتين في المسرح لي ولك.
- أوه أيها الطفل الشقي.
- سأراك غداً..
- هل ستحضر إلي..؟
- لا.. لا أريد.. أنني أخاف من عيون الناس..
- إذن دعنا نتقابل في مكان آخر..
- ذلك هو ما أفكر فيه.. إنه رائع أن تهرب من عيون الناس.
- يا صغيرتي في كل مكان توجد عيون الناس.
- أعرف ذلك يا جريتا.. ولكن.. أحياناً يجب أن نتفاءل.. خاصة عندما تكون عيون الآخرين غريبة.
- كلا يا عزيزتي.. العيون الغريبة أكثر فتكاً..
- أنني سكران، أعتقد أنك على حق.. لكن لماذا يخفي القمر وجهه، وهل يستحي من عيوننا..؟
- آه لعنة الآله.. لقد أقتربنا من المنزل..
- إذن دعنا نتصافح.. سنلتقي غداً أتمنى لك أحلاماً..
- ولك أيضاً..
عيناها تخترقان الليل إلى قلبي.. أنني أتعذب هل أحب هذه الفتاة؟ لقد خفق قلبي لها بشدة.. وبعنف أحببت عذابها.. أنا أعرف أنها ليست جميلة لكن عذابها رائع.. وعندما تتكلم.. أعرف تماماً من هي.. ومنذ متى تتعذب.. ولماذا؟..
سأعود إلى المترو.. سأذهب إلى السينما، ربما عثرت على فيلم لطيف.. وربما على فتاة…
- مساء الخير أيتها الحسناء.
- أوه أرجوك.. لقد خدعني منظرك من الخلف..
- معذرة كنت أظن أنك صديقة.
- لا يهم.. كثيرون يعتقدون ذلك مثلك.
أي طعنة أرسلتيها يا صغيرتي.. أعرف، جبان.. أسمع مفضوحة تأوهاتك ربما… تزاحم على بابك، حتى السكارى يا صغيرتي.. هناك من يقول أنها الحرب.. وأنا.. ماذا؟ .. مجرد سكير من بعيد.. لكني أتعذب..
آه أيتها الدموع العذبة.. ألا ترسلين سيولك الليلة.. أنت هناك إنسان صُنعت له الآلهه. لم أقصد ذلك لكني جبان.. ومجرم..
- إلى أين يا صديقي..
- آه .. ميلا.. هلا أنقذتيني من هذا الجحيم؟.. لقد صنعت شراً.. أنني أتمزق..
- أنك سكران.. لقد سكرت كثيراً هيا بنا نعود إلى المنزل.. هيا..
في الممر.. حيث أذرع الأشجار الشيطانية تتعانق.. وفوق كرسي غطاه الثلج، بالأمس.. رحت أقبل.. ميلا.
- يا صديقتي.. شفتاك لذيذتان وأنت تتأوهين بين ذراعي سكران..
- لا أريد.. أن ذلك لسيء.. هلا توقفت.. يجب أن لا تعود لهذا العمل ( ) أتذكر مساء يوم شعرت فيها بنفسي حقيراً.. لأنني كنت وحيداً.. وحيداً..
- أنت لا تحبني.. لا أريد أن أخدع نفسي.. أرجوك.. دعني..
مضت كخيال طيف.. و.. في شفتي أثار شفاه..
أوه لقد بزغت الشمس.. وفي رأسي آثار صداع..
- أيه يا صديقي.. من الذي عض شفتيك..؟
- ماذا..؟
- لقد كنت البارحة في سهرة. أنني لا أتذكر.. ما الذي حدث بالأمسٍ. لعنة الله على الفودكا..
يناير 1962م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الجمعة 8 يوليو 2011 - 21:14

الغول
-1-
الرياح تعصف في الخارج بشدة يا صديقتي، فاقتربي مني لأحكي لك قصة.. إصغي إليّ جيداً.. لأنها قصة، سمعتها عندما كنت طفلاً ويسمعها كل أطفال قريتي الآن لأنها قصة انتصارنا... إنها عن الغول في جبلنا.
لا أدري متى تبدأ القصة، ولكنها تقول إن الغول استوطن جبلنا حيث وجد غاراً كبيراً ومخيفاً.. لقد أصبح هذا الغار اليوم مرتعاً للحب.. عند رعاتنا.. وفي هذا الغار نسجت يا صديقتي.. أول حب.. وأول قبلة.
في هذا الغار الكبير والمخيف كان يعيش الغول لا أحد يدري من أين أتى؟ ولماذا؟ وكيف؟ ولا أحد رآه وهو يصطاد فريسته.. ولكن الجميع رأوا بقايا ضحاياه.. وآثار جرائمه الكثيرة في الطريق بين قريتنا والجبل.. ونسجوا حوله الأساطير، قيل أنه لا يموت.. وقيل أنه لا يتأثر بالرصاص، وقيل أنه أتى إلى جبلنا لينتقم منا بعد أن غضب علينا الرب..
أي سخافات قالوها.. وأي تفاهات رددوها يا صديقتي لكنهم.. معذورون لأنهم جهلة.. أنت تعرفين ناس قرانا جبناء إذ هم متفرقون.. وعباقرة وهم متحدون..
لقد قيلت يا صديقتي أحاديث كثيرة زادت من خوفهم، هل تتصورين هذا؟. ينسجون أحاديث ويصدقونها.. لقد أصبح الغول ملك الجبل بلا منازع لأنهم كانوا جبناء. وعند كل صباح كان الغول يرسل من مغارته المخيفة عظام ضحاياه من حيوانات تعيسة وبشر ساقهم حظهم التعس إلى فكيه فلم ينجوا. وفي الليالي المظلمة كان الغول يغزو قريتنا ويحطم أبواب حظائر الماشية ويحمل ما شاء ويعود إلى الجبل ولا يستطيع أحد أن يقف في طريقه.. لقد كان كل شيء مباحاً له يا صديقتي.. بمنطق القوة.. وبالأساطير التي تنسج حوله مع كل ضحية.. إنه لا يموت في نظرهم فلماذا يقاومونه؟!
لماذا يتعبون أنفسهم في شيء يخيل لهم إنهم متأكدون منه؟ لماذا يناضلون ضد أساطيرهم؟
ومضت الأيام والغول يزداد سيطرة.. وتزداد ضحاياه. ويصبح ملك الجبال وملك القرية.. بل ويملك أيضاً أرواح أولئك الذين جثوا أمامه.
وبمرور الأيام كانت أساطير جديدة تظهر وأحاديث العجائز تدور حول الغول.. والغول فقط. حتى الأطفال كانا يرددون ببلاهة أحاديث العجائز وعيونهم معلقة بالجبل.
الرياح تعصف بشدة.. والعاصفة على الأبواب، والمدفأة قد خلت من الحطب يا صديقتي فاقتربي مني.. اقتربي مني.. فالغول قد جعل كل شيء مخيفاً.. غير محتمل.. أسطورياً.. وتحول الجبل إلى مكان مجهول لا تطأه قدم إنسان.
آه الرياح الباردة تذكرني بالخوف الذي كان يسيطر على أهل القرية وهم يغلقون أبواب منازلهم قبل أن تغيب الشمس.
-2-
في ذلك الوقت والغول يسيطر على كل شيء كإله جديد على الأرض كانت امرأة.. مجرد امرأة عادية.. وأم.. تعيش في القرية وكان أسمها هند.
لم يكن أحد يهتم بوجودها، فهي فقيرة والناس لا يهتمون كثيراً بالفقراء، فهي قد فقدت كل ما تملك من مال وأرض وحلى.. كل شيء لتهب ابنها الوحيد الحياة.. نعم يا صديقتي: كان لها طفل صغير في العاشرة تركه لها زوجها الذي مات في أعماق البحار.. لقد كان أحد مغامري بلادنا الشجعان الذين يوجدون في كل مكان وفوق كل بحر.. لقد صنع بحارو بلادنا يا صديقتي.. تاريخاً لنا عظيماً.. تاريخاً منسياً لا يعرفه أحد.. سوى البحر نفسه.. آه كم هم عظماء أولئك الذين يموتون بصمت بعد أن يخلفون مآثر..
لقد مات وترك زوجته وطفله.. ومرض الطفل فباعت الأم كل ما تملك.. وصلّت.. ودعت.. وزارت قبور جميع الأولياء ولكن أبواب السماء لا تريد دعاء.. ولا زيارة الأولياء.. إنها تحتاج إلى عمل لكي نخضعها لنا.. لكن هند.. المسكينة لم تكن تعلم ففقدت كل شيء ولم يبق لها سوى شيء واحد: جسدها. وأرادت بيعه في سوق الرقيق إلا أن القرية وأي قرية صغيرة في قرى بلادنا ليس فيها متاجر لبيع الرقيق. ثم إنها لا تملك الجمال، ذلك الشيء الرائع.. الإلهي. إنها امرأة عادية والمرأة العادية لا جمال لها سوى قلبها. سوى عملها. سوى نضالها، وهذا الجمال لا يباع مطلقاً في سوق الرقيق.
هذا هو الجمال الذي كانت تملكه هند يا صديقتي.
وفقدت الأمل.. ولم تجد إلا أن تجلس بجانب ابنها الصغير تغسل وجهه المصفر بدموعها الغزيرة..
ألا تزال الرياح في الخارج تصفر يا صديقتي؟ إنني لم أنته بعد من القصة..
-3-
هناك أمر عجيب يصنعه الإنسان ذلك العظيم. يصنعه دائماً دون تخطيط مسبق. لقد بدأت هند وهي تسكب دموعها الغزيرة تخلط بين الواقع والخيال، فحلمت أن دواء ابنها الوحيد يوجد هناك، في المغارة.. في الجبل حيث ينام الغول..
الدواء هو قلب ذلك الغول القاسي.. هو القلب الذي نبض بدماء الآخرين.. في ذلك القلب كان الدواء.. فلم تفكر هند كثيراً ووجدت نفسها دون أن تدري أمام باب المغارة. إن القوة العجيبة، قوة الأمومة التي لا نستطيع أن نعبر عنها بكلماتنا البسيطة، قد دفعت بهند، تلك المرأة المحطمة، الضعيفة والفقيرة، إلى باب من سيطر خوفه على قلوب كل رجال قريتنا في سبيل أن تحصل على الدواء.
لقد قتلت هند الأسطورة.. لم يصدق الغول إن إنساناً ما يتجرأ وينتهك حدوده ويأتي إلى عقر داره.. ورأى ذلك تحدياً لقوته وهيبته، فهب من داخل مغارته.. وكم كانت دهشته عظيمة حين رأى أمامه امرأة صغيرة صفراء اللون.. ضعيفة وهزيلة تكاد من فرط ضعفها أن تسقط أرضاً.. لكن ذلك زاده غيظاً إذ وجد أن الذي هتك هدوءه ووحدته وأسطورته ليس سوى امرأة، وليس إنساناً آخر أقوى منها. وشعر بأن كرامته قد جرحت وأهينت..
لكن هنداً لم تخف بل ازدادت قوة وجراءة حين رأت الغول.. وبدأت تجمع شجاعتها وعزيمتها حتى تخرج من مكانها منتصرة لتوصل الدواء لإبنها.
كانت الشمس تشع بقوة.. والأشجار تتراقص في طرب، والعصافير الصغيرة على الأغصان تغرد بشجو وهي ترى الإنسان يتحدى قدره، ويحطم الأسطورة التي صنعها بيده. وأراد الغول أن يسأل المرأة الجسور التي حطمت بتصميمها وإرادتها أسطورته عن سبب مجيئها ومجابهته يا صديقتي دون خوف:
- يا غول.. كن من شئت ومهما كانت قوتك فإنني أم أبحث عن دواء لإبني؛ وقد علمت أن الدواء ليس سوى قلبك، لذلك أتيت لأخذ الدواء أردت أم لم ترد.
تجمع كل غضب الدنيا في تلك اللحظة في وجه الغول وهو يسمع ما تقوله المرأة.. إنها تتحداه علناً .. إنها تستهين به؛ فقال وهو يحاول أن يكون صارماً، مخيفاً ، أسطورياً.
- اسمعي أيتها العجوز! أنت أول من حطم صمتي.. ومن تحدى قوتي. وقد أقسمت أن أحطمك.. أن أجعلك.. سخرية للجميع. إني لن أترك لك أثراً على هذه البسيطة.
لكن هنداً كانت قد حطمت نهائياً الأسطورة في قلبها وشعرت بأن عليها أن تقاتل إن أرادت أن توصل لإبنها الدواء..
أما أن تخاف.. أن تتذلل فذلك معناه هلاكها.. فلم تهتم كثيراً بما قاله الغول، بل ابتسمت ساخرة وفي عينيها يتطاير شرر الكراهية والبغض لذلك المخلوق الذي بذر الخوف في كل مكان وقالت:
- إنك لست سوى مخلوق تافه.. صنع الآخرون أسطورتك فصدقتها أنت وصدقها الأغبياء، في القرية.. إنني.. سآخذ قلبك .. سواء أتركتني بهدوء أم لا . إني مستعدة لآخذ ما أريده بالقوة ..
حاول الغول أن يقهقه، لكن قهقهته كانت ميتة، جامدة باردة، وشعر أن عليه أن يعمل شيئاً قبل أن ينهار.
- إنك أيتها العجوز لا تقدرين قوتك .. لعل الجنون قد دفع بك إلى هذه المخاطرة. إنني رحمة بك سأسامحك هذه المرة .. إنك أمام من خضعت الرقاب له .. أمام ملك الجبل والقرية، أمام من انتصر على الجميع .. أمام من لا يموت..
كان يعرف أنه يكذب، وكانت هند تعرف ذلك أيضاً:
- من أنت حتى يخافك البشر؟. من أنت حتى نضع رقابنا تحت قدميك؟
آه يا صديقتي لو رأيت هنداً وهي تتخذ طريقها إلى قلب الغول! لو رأيت الخوف يتجمع مرة واحدة في وجه مخلوق واحد .. الخوف والشجاعة ..
لقد تأكد الغول نهائياً أن أسطورته ستنهار إذا لم يصمد أمام هذه المرأة .. لكن ماذا نقول لمن قد تملكه الخوف، كل الخوف، وهو يرى الشجاعة أمامه!. إن الأم تتحداه. الإنسان يتحداه بشجاعة .. بصموده الرائع أمام التفاهات.
وهجم الغول وكله خوف .. فتلقته هند وفي عيونها ورعة الإنسان في قمة شجاعته.
آه لو ترين ملحمة الإنسان الخالدة .. وهو يناضل من أجل غده، من أجل أن يعيش آخرون سعداء ..
آه يا صديقتي لو رأيت هنداً وهي تقاتل ذلك الغول، ذلك الأسطورة التي تحطمت لكي تعود إلى ابنها لتهبه الحياة..
كل شيء كان يتساءل : من سوف ينتصر؟ الإنسان .. أم الغول .. العصافير توقفت عن الاهتزاز والرياح حبست أنفاسها .. حتى الجبل الذي كان خاضعاً للغول .. كان قد أمسك قلبه بيده منتظراً خلاصه من العبودية.
وسالت الدماء .. وصرخ الغول يا صديقتي. لقد انهزم. وغنت الطبيعة أنشودة الخلاص. أنشودة الروعة .. ورقص الجبل رقصة شعبية على أنغام هبوب الريح .. وصداح العصافير .. وكانت الشمس تمد يدها الذهبية محيية انتصار هند ..
وقامت هند وقد تمزقت ملابسها السوداء وسالت الدماء من كل جزء من جسدها الفتي .. جسدها الذي كان في تلك اللحظة أجمل ما في العالم – شهادة شجاعة الإنسان .. وشعرها الأسود الناعم الذي لم تهتم به يوماً من الأيام كان قد استرسل على كتفيها وقد سالت عليه قطرات دم. ونظرت حولها وهي تحمل في يديها قلب الغول .. ومضت بسرعة إلى القرية .. إلى ابنها وكل شيء حولها يغني ويرقص .. وبجانب بوابة المغارة .. تمدد ملك الأمس .. وفي القرية زاوية مظلمة .. من منزل صغير متهدم .. كان إنسان الغد يتحرك.
لقد انتهت العاصفة يا صديقتي وانتهت قصتي ..
دعينا نتعانق .. لقد انتصرنا .. يا صديقتي، فالشمس ترسل أشعتها الذهبية على جبلنا .. والسماء تضحك طربا .. دعينا نبتسم .. دعينا نبتسم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد الحميدي


avatar

ذكر عدد الرسائل : 2526
العمر : 34
الدولة : المملكه العربيه السعوديه
تاريخ التسجيل : 20/03/2011

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الجمعة 8 يوليو 2011 - 23:54


تسلم يدك اختي اليمامه على هذه النقل الرائع

معلومات لم نكن نعرفها عنه كثيرا

مع اني الموضوع طويل و يبغاله وقت للقراءه

الا اني قرائت بعض منها واستفد

تحياتي واحترامي لك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خالد الحسامي


avatar

ذكر عدد الرسائل : 3451
العمر : 40
الدولة : اليمن
تاريخ التسجيل : 12/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   السبت 9 يوليو 2011 - 5:41

مشكورة أيتها اليمامة الرائعة

لكي كل التقدير والإحترام على الجهود المبذولة


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
جلال الدوسري


avatar

ذكر عدد الرسائل : 6281
العمر : 41
الدولة : اليمن السعيد
تاريخ التسجيل : 12/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   السبت 9 يوليو 2011 - 7:52




مجهود جباااااااااااار
يستحق التقدير والاحترام00

مع أمنيتي أن يتم نشر ماتبقى من هذه الروائع
للأديب العالمي/محمد احمد عبدالولي العبسي0
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
باسم الزريعي

avatar

ذكر عدد الرسائل : 5062
العمر : 34
الدولة : اليمن
تاريخ التسجيل : 10/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   السبت 9 يوليو 2011 - 8:39

لك الشكر والتقدير يا يمامه على هذا الجهد

شي رائع هذا التوثيق لأعمال الاديب الرائع محمد عبدالولي

إنشري المزيد لو تستطيعي ........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خالد الحسامي


avatar

ذكر عدد الرسائل : 3451
العمر : 40
الدولة : اليمن
تاريخ التسجيل : 12/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   السبت 9 يوليو 2011 - 8:53

يا خبير

كنت عائداً من " حيفان([1]) " بعد أن قضيت فيها يومين في شريعة عند الحاكم. وكالعادة لم أخرج بنتيجة،

فالشريعة ستسمر ولن تحل مطلقاً.


كان المساء يقترب وأنا أسير وحيداً تقتلني آلاف الهموم بعد أن مضغت اليوم ما يزيد عن ربطتين من " قات

شراري " وتتفجر في نفسي ثورات لا تنتهي .. ومع أنني عادة لا أحب السير في المساء وحيداً ولمسافات

طويلة إلا أنني اليوم قتلت خوفي وسرت أضرب الطريق بعصاي ومضغات القات لا تزال في فمي وحرارة

الاندفاع والحقد وكل ما يولده القات تتصارع في داخلي، ونسمات الليل الرطبة مع خرير الماء.. في الجداول

الصغيرة من على سفح الجبل .. ومنظر الوادي من بعيد يولد في نفسي ألحاناً صغيرة .. حزينة وثائرة.

- يا خبير .. يا خبير.

والتفت وأنا ألعن هذا الصوت، وشعرت بارتجافة خفيفة حين رأيت صاحب الصوت بمئزره القصير وبندقيته

وعينيه المحمرتين مع مضغة القات في فمه وهو يخب بسرعة ليلحق بي بقدميه الحافيتين:

- لافين يا خبير؟

- القبيطة.

أجبته بنفس مكسورة. وشعور داخلي بكراهية شديدة تملأني، فبقدر ما أكره الموت أكره منظر العسكري.

نحنا صحبه ..

ومضيت في الطريق يتبعني العسكري .. وطارت كل الأفكار ولم تبق سوى خطوات العسكري وهي تصفع

الأرض بقوة . وجعلت التفت بين الحين والحين أتحقق من شكله ... وبدأ خوف حقيقي يسري في دمي .. إنني

أكره العسكر .. وأخاف منهم ولم أسر مع أي منهم .. لكن الحكايات التي تتردد في كل مكان من قرانا عن

أعمالهم الوحشية تدفعني إلى الاعتقاد الآن بالذات إلى أن هذا الرجل الذي يسير خلفي قد يقتلني. وما المانع

لديه؟ قد يفكر أن لدي الكثير من النقود .. ثم ما الذي يمنعه؟ . لا أحد هنا يرانا فالطريق خال .. ونحن معلقان

في منتصف الجبل، وأقرب المنازل إلينا يقع هناك بعيداً في قعر الوادي أو على قمة الجبل، ولديه بندقية بينما

لا أملك أنا سوى عصا صغيرة.. وراحت الفكرة تدور في رأسي حتى تخيلت أن الرجل ينزل بندقيته من على

كتفيه بل أن صفعات قدميه على الأرض خيلت لي أنه يفتح زناد البندقية... و ... ووقفت على جانبي الطريق

كمن يحاول إخراج شوكة دخلت في قدمه وتركته يسبقني، ولكنه توقف بعد خطوات وراح ينظر إلي .. كنت

أريده أن يذهب .. لو لم ينتظر..


- ماه .. ما معك إبرة؟

ثم استدرك وهو يحملق في السماء ..

- هي ظلمة .. ما بتقدر تبصر.


ووافقت على كلامه بهزة من الرأس.

ومضى هذه المرة أمامي، وكنت أسمعه يتنهد بعمق ويلفظ أحياناً تأوهات شديدة الألم. وهو يحاول أن يطلق

لحناً صنعانياً حزيناً.. لكنه سرعان ما يكتب اللحن لتعود الآهات من جديد..

كان طويلاً فيه رجولة القبيلي، كتفان عريضتان.. يخيل إلي أنه يستطيع حمل الجبل كله عليهما.. وقد حمل

البندقية كأنها ريشة ناعمة .. وصوت صفعات قدميه القوية على الأرض تجعلها تئن ألماً.

- ليش ما بتتكلم..؟

- ما تشتهي أقول لك.

كانت لا تزال في نفسي بقايا خوف.

ورأيت اهتزاز رأسه وهو يحشو فمه بمزيد من أغصان القات .. ومن وراء السحب كان ضوء القمر يتسلل

بخوف .. وسمعت صوته.. كان عميقاً بسيطاً فيه خشونة لهجة الشمال.


- ماه يا خبير كان معك شريعة؟ الله .. بلاكم أنتم يا أهل الحجرية بالشرائع .. كل من معه بقشتين قام يشارع

...ليش ما تقعدوا زي خلق الله بلا دوشه.. ولا وجع دماغ؟


كان وهو يتكلم يهز رأسه كأنه يفكر في مشكلة صعبة واستمر قائلاً:


- وإلا عد تفتكروا أن معكم عدالة مه؟ .. الحاكم .. والعامل ما ينصفكم .. العدالة قتلوها .. أكلوها أصحاب

القروش، وأنتم يا رعوى هاتوا مئة ريال، هاتوا مئتين ريال، تسكبوها لأصحاب الكروش من غير حساب ..

يا خلق الله بطونكم خاوية هكذا وإلا لا .. ؟


لم أستطع أن أجيب عليه .. فالشيء الوحيد الذي لم أكن أتوقعه هو أن يتكلم هذا الرجل عن الظلم والشريعة

وأصحاب الكروش .. فالذي تعودناه نحن الرعية هو أن نرى العسكر هم بالدرجة الأولى أدوات هذا الظلم، هم

الذين ينفذون أوامر الحكام ولا ينسى اليمني كيف كان هؤلاء العسكر يستبدون بالرعية. لكن العسكري لم

ينتظر جوابي بل استمر وهو يعصر أوراق القات في فمه..


- اسمع يا خبير أنت رعوي هانا في القبيطة وأنا رعوي في " حاشد([2]) " معي هناك بيت وعائلة، مرة

وأولاد ما شاء الله، لكن ما معانا بيس([3]) .. ما معنا أرض .. هاناك المشايخ أخذوا الأرض، واحنا اصبحنا

عساكر تدور على رزق على لقمة.. قالوا.. الحجرية فيها ذهب .. جينا هانا أقسم بالله هانا ما في إلا الطمع

والنهب والحسد كل رعوي يشتي ينهب صاحبه.. أخوه .. ناهي معكم " بيس ".. لكن ما معكم أمانة.. ما معكم


معروف. ما معكم محبة... والله لو قبرت في حاشد كان أحلى .. هاناك جنب المره والأولاد.. شاندور على


شغل.. شانجوع لكن ما شنشارع يا ناس والله ما كبرتا الكروش إلا من بيسكم أنت يا الرعية.


وسألته وقد بدأت اقترب منه:


- طيب وأنتم العسكر ليش كمان تنهبو الرعية؟


وتنهد بعمق قائلاً:


- ننهب الرعية؟ ما كل العسكر ينهبوا يا خبير واللي ينهب هانا ما هو أحسن من الحاكم .. أنت يا خبير تعطي

الحاكم مئة ريال برضاك وقناعتك والعسكري تعطيه ريال وتقول للعسكر ينهبونا . ما هو كذا؟ العسكري

مثل في حاكم ثاني ينهبه في بلاده بالحق أو بالباطل..


ونظر إلى السماء .. ثم توقف أمامي وأنزل البندقية من على كتفه ونظر إلي:


- قد هو عشاء .. هيا تصلي؟ . تتأمم؟


- لا أحسن تتأمم أنت..



قال وهو يبتسم لي كأننا أصدقاء أعزاء:

- عد تقول أن العسكر يتأمموا بالقوة .. ماه؟ " وضحكنا.

مضينا بعد الصلاة في طريقنا وكان يتحدث عن كل شيء.. عن زوجته التي لم يرها منذ ثلاث سنوات .. عن

أطفاله.

- والله يا خبير إنني أشتهي الأولاد يكونوا متعلمين .. ما يكونوا عسكر مثلنا .. من غير علم ، فين المدارس

معنا فقيه .. والفقهاء ألعن من الحكام، همهم البيس.. والله وبالله إنهم ما يعرفوا معنى القرآن بس يكذبوا على

خلق الله، افسدوا الدنيا يكذبهم.

ومع سيرنا كانت نسمات المساء تهب علينا بحنان وتتماوج أعواد الزرع على الأرض والخبير يتحدث عن

حاشد وصنعاء.

وأطلت تحت أقدامنا قريتي وبدون أن أدري كنت أقول له.

المفاليس يا خبير بعيدة والدنيا ليل لازم تبات الليلة عندنا والصبح يفرجها الله.

نظر إلي طويلاً أنا عسكري والعسكر تعرف أن لهم مطالب .. دجاج .. قات .. مداع ..

وأكملت بسرعة:

- وأجرة ماه؟

وضحكنا ونحن ندخل المنزل والعائلة تنظر إلي في حزن وخوف، فالعسكري معي وهذا يعني في نظرهم أن

مصيبة قد حدثت.

[1] ) مركز ناحية القبيطة في الجمهورية اليمنية.

[2] ) إحدى قبائل اليمن الشهيرة.

[3] ) نقود.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خالد الحسامي


avatar

ذكر عدد الرسائل : 3451
العمر : 40
الدولة : اليمن
تاريخ التسجيل : 12/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   السبت 9 يوليو 2011 - 8:59


الأرض يا سلمى

مضت – سلمى – مسرعة لتفتح السواقي في الأرض القريبة من الدار بعد أن بدأت السحب تتجمع في السماء،

وحين عادت إلى الدار كانت أبواب السماء قد تفتحت وانسكب المطر، يروي عطش الأرض.

لم يكن لدى سلمى عمل تؤديه في ذلك العصر، فالسماء تمطر وجميع من في المنزل يغطون في نوم عميق. فلم

تجد إلا أن تخلو إلى نفسها في غرفتها وأن تتمدد على سريرها مولية وجهها الصغير شطر النافذة المفتوحة

على الحقول. ورأت مياه المطر تندفع من السواقي إلى الأرض العطشى، لكن خيال سلمى انطلق بها بعيداً عن

الأرض والمطر إلى أشياء لم تكن لتفكر بها، وسمعت صوتاً كأنه همسات رقيقة يقول:


" سلمى – أخيراً ها أنت تواجهين نفسك. يجب أن تقولي الحقيقة، لا تحاولي التهرب من نفسك، فلن ينفعك

ذلك يجب أن تقولي أن الانتظار قد طال وأنك لن تستطيعي التحمل أكثر من ذلك، حاولي أن تتذكري منذ كم

غاب عنك " درهم " زوجك... من خمس سنوات كاملة يا سلمى؛ وها أنت في السنة السادسة من الانتظار؛

وكم عمرك؟ احسبي دون تعجل: أنت الآن في السادسة والعشرين. نعم لقد بدأت تشعرين بأن قد كبرت...

وبسرعة دون أن تدركي ودون أن تحسي بالحياة وتتمتعي بها ... هل أذكرك يا سلمى أنك قد تزوجت منذ

عشر سنوات؟ نعم، عشر سنوات. وذهب زوجك بعد أن تركه في أحشائك، دون أن يعلم، لم تخبريه كعادة

الكثيرات في القرية، وظننت أنه لن يغيب كثيراً.


ولكنه غاب أكثر من المرات السابقة.


مهلاً يا سلمى لا تجعلينا نسابق الأحداث.. لم لا نبدأ من البداية، منذ أن ولدت، أعني منذ أن تزوجت. ألست

على حق؟


نعم إن ذلك ظاهر على وجههك .. لقد كنت صغيرة عندها، في السادسة عشرة من عمرك تعيشين في بيت

والدك. وذات يوم سمعت همسات كثيرة. ونظرات مصوبة نحوك. وأحسست بما يدور حولك وشعرت

بالسعادة ككل طفلة تفرح بعرسها – ولم تظهري فرحك ذلك للناس حتى لا تلوك الألسنة سيرتك ولكنك

أبديتها لي .. أنا .. كنت أعرف كل شيء – لقد كنت سعيدة لأن ستتزوجين " درهم "، وحين أقبلت عمتك

وغطت وجهك " بالمقرمة " قائلة: " ثبت زواجك على درهم قاسم " أبديت مقاومة شديدة، وجعلت تقذفين

بالشتائم كل من حولك ولكنك في أعماقك كنت فرحة، وسالت الدموع .. دموع الفرح في عينيك، وظن الذين

حولك أن تبكين حزناً على فراق والدك.. ومنزله ..


وعندما أتى أهل زوجك لنقلك إلى دارك الجديدة كنت تسرعين في الخطو، لتصلي بسرعة. ونبهك الذين

حولك، وشعرت بالخجل إذ خفت أن يكتشف الآخرون سر تلهفك وسرعتك.


ولكن يا سلمى. أكنت تحبين درهم حقاً؟


كلا – لا أظن!!


إذن ما سر سعادتك تلك؟


ألأنك طفلة ؟ أم ظننت أنك ستخلصين من بيت والدك؟ من تلك الأعمال الشاقة التي كنت تقومين بها هناك؟،

كنت تظنين أنك ستجدين الراحة والهدوء في منزل زوجك، فهل تحقق ذلك؟


لنر يا سلمى حياتك الجديدة في منزل زوجك، فبعد الأيام السبعة الأولى.. أيام العرس.. بدأت عملك كزوجة

تخدم زوجها وأهله..



كنت تستيقظين من نومك مع أذان الفجر، فتحلبين البقرة ثم تذهبين إلى البئر بعد أن تضعي أمام البقرة بعض

الحشائش وبعد أن تمتلئ جرتك بالماء تعودين لإعداد الفطور لزوجك، وعند اقتراب الظهر تذهبين إلى الحقول

لتعملي مع والد زوجك في الحرث والبذر والتنقية لتعودي منهوكة القوى لتعدي وجبة الغداء – تطحنين

الحبوب ثم تعجنيها كي تطعمي زوجك.


وبعد الغداء يذهب لمضغ القات في حين أنك لم تتناول غداءك، وهو غالباً ما يكون كإفطارك: قليلاً من الخبز

مع رشفات من – القشر – أو عصيدة مع لبن.


ويأتي عمل ما بعد الظهر .. غسيل الملابس .. الذهاب إلى الجبل للبحث عن حطب للوقود .. الذهاب إلى البئر

مع غروب الشمس لتأتي بماء المساء والتقاط بعض الحشائش للبقرة، وبعدها تعدين العشاء وتقدمينه لزوجك

الذي يعود من المسجد بعد أداء الصلاة. وأنت كم مرة نسيت الصلاة وأنت ترتمين متعبة قرب منتصف الليل،

لتعودي مع أذان الفجر إلى العمل .. إلى الإرهاق..


هذه هي حياتك كل يوم، هل فيها شيء جديد؟


إنها نفس الحياة التي كنت تعيشينها في منزل والدك لم يتغير إلا صاحب العمل .. كان في السابق والدك، أما

الآن فزوجك. عشت معه أياماً، تركك بعدها إلى المدينة لكي يعمل ولم تحاولي منعه، بل أنك دفعته للسفر،

لأنك تريدين أن يعود إليك ومعه قمصان حرير جديدة .. أدوات نسائية كتلك التي يعود بها أزواج صديقاتك.


ولم يخيب زوجك أملك، عاد إليك بما كنت تحلمين بعد أن غاب عنك سنتين.


لم تتغير حياتك، أثناء وجوده أو في أثناء غيابه: ففي كلا الحالتين كنت تعملين بصمت من أجل أهله ومن أجل

الأرض. يا سلمى عاد زوجك إلى المدينة، وغاب سنتين، ثم عاد مرة أخرى ليتركك بعدها وفي أحشائك

طفلك الأول، وانتظرت عودته إليك وإلى طفله ليراه، ومضى عام.. وآخر، فخمسة ولم يعد. إنها ما زال حياً

هناك بعيداً في البحر.. البحر الكبير الذي يقولون إنه بلا نهاية. بحر كبير في أحضان بحر آخر أكبر يخوضه

زوجك كل يوم.


وما أدراك يا سلمى أنه وحيد؟ لا تجعلي وجهك يصفر ولا ترتجفي. فكل شيء ليس سوى افتراض. فهو قد

يكون وحيداً وقد لا يكون، فالرجال لا أحد يثق بهم.. خاصة حين يكونون بعيداً، لا تراهم عيوننا. فلم لا يكون

زوجك أحدهم؟ أنت تعرفين قصة عمك – زيد – الذي ترك زوجته منذ عشرين عاماً .. ولم يعد . إنه حي وله

زوجة وأولاد يقولون إنه لن يعود وزوجته لا تزال تنتظر هنا.


فلم لا يكون زوجك مثل عمك؟ نعم لماذا لا يخونك؟ إنه بشر .. ورجل .. وهم دائماً ضعفاء كما يدعون . قلت


لك لا ترتجفي. ولا تدعي الشكوك تساورك فكل شيء افتراض، فالحقيقة مجهولة، هناك وراء البحر مع

زوجك. ثم لا تحاولي أن تفكري أن تفعلي مثله.. أن تخونيه. إنك لن تستطيعي، فهنا في القرية كل همسة

يسمعها جميع الناس. ألم تلاحظي مثلاً في هذين اليومين الأخيرين أن الجميع يلاحقونك بالنظرات المليئة

بالشك؟ ألم تلاحظي ذلك؟ لماذا يقذفونك بنظراتهم الصامتة تلك؟ إنك ذكية سلمى وقد عرفت..


أنج تتجملين .. نعم تتجملين، فهم لم يرونك تتجملين منذ سافر زوجك منذ خمس سنوات .. ولا تحاولي أن

تقولي أنك شعرت بكبر سنك فحاولت أن تبدي صغيرة. كلا فتلك طريقة غير محببة.


فالحقيقة يا سلمى أن تتجملين من أجل. من أجل " حسان " لا.. لا.. لا تجعلي قلبك يدق بهذه الشدة ولا تدعي

الدعاء يحمر وجنتيك، فهما سيكشفان سرك، أرأيت أنك مغرمة به؟


ليس عيباً أن يحب المرء من شاء .. ولكن العيب في أن يخون .. فأنت تخونين زوجك بحبك لآخر .. نعم .. إن

الأمر جد خطير .. فالمرأة هنا ليس لها الحق بأن تحب من تشاء ولا أن تتمتع بشبابها فهي مجرد خادمة،

يتزوجها الرجل لتخدم أهله.. ويتركها ويمضي بعيداً جداً .. ولا يعود .. وليس من حقها أن تطالب بالطلاق..

فالطلاق مكروه .. لا تضعي يديك فوق صدرك.. فالطلاق ليس مكروهاً ما دمت ستتمتعين بحياتك التي

سرقها زوجك .. لكنك.. لن تحصلي عليه .. خاصة بعد أن مات والدك وليس لك من أحد يدافع عنك .. فأنت

الآن خادمة، لأهل زوجك، لوالده، لابنه، لأرضه.. إنك لن تجني أية فائدة بحبك " لحسان " إنه شاب طيب

تتمناه كل فتاة .. ولكنك لست فتاة – إنك امرأة لك طفل .. وزوج .. ثم هل تظنين أن أيام الطفولة حين كنت

تلعبين معه في الجبل ويتخذك دائماً زوجته وأنتم تلعبون لعبة " الزوج والزوجة " تلك الأيام قد ولت..

وأصبحت أنت اليوم كبيرة – خمس سنوات من الانتظار الطويل صعبة يا سلمى ولكن ما هو الحل؟


أن تطلبي الطلاق؟ وطفلك أين سيذهب؟


ثم من الذي سيتخذك زوجة له؟

أنت تعرفين تماماً أن الكثيرات بقين بدون زواج بعد طلاقهن وأن شبان القرية يبحثون فقط عن الفتيات .

وأرضك يا سلمى . نعم أرضك هذه التي بذلت فيها حياتك. . شبابك .. دمك .. أرضك التي تسكبين عليها

طوال الأعوام عرقك. كيف تدعين أرضك هذه ولمن؟

أنك تفكرين يا سلمى .. وهذا شيء طيب – أنت عرفين أن لا أحد سواك يعرف قيمة هذه الأرض .. فزوجك

إن عاد لن يهتم بالأرض .. وابنك عندما يكبر لن تهمه هو أيضاً – سيتركها كما فعل والده ويذهب هناك بعيداً

مثل الآخرين.

أرضك يا سلمى ذرفت عليها الدم والجهد ومنها تأكلين طوال الأعوام. ومنها يأكل ابنك ويترعرع فوق

ثراها. حتى زوجك حين يعود يأكل منها وأنت .. أنت من يخرج خيرات هذه الأرض. منها حبوبك وحشائش

ماشيتك - ولبنك وسمنك.. وكل شيء في هذه القرية .. من الأرض. أليست الأرض حياتك! .. وحياة ابنك

الذي سيعرف عندما يكبر مدى الجهد الذي بذلته؟

أما " حسان " فهو كزوجك تماماً لن يعيش في القرية إلى الأبد .. سيغادرها غداً بعد أن يكون قد ترك امرأة

وراءه تخدم أهله وتحرث الأرض وإن كنت أنت هذه المرأة. فما الفرق بين حياتك هنا وحياتك في بيته؟ لا

فرق يا سلمى لا فرق.


وغاب الصوت وسلمى تنظر حواليها في ذهول ومياه الأمطار تتساقط في نغمات حالمة على الأرض فتنساب

جداول إلى مدرجات الزراعة وتعانق جذور الزرع الأصفر وتهبه الحياة..


وفتح باب الغرفة .. دخل ابنها الصغير وارتمى في أحضانها وسلمى تهتف بداخلها – سأعلمه كيف يحب

الأرض .. بينما كانت المياه تغوص في أعماق الأرض.






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد الحميدي


avatar

ذكر عدد الرسائل : 2526
العمر : 34
الدولة : المملكه العربيه السعوديه
تاريخ التسجيل : 20/03/2011

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   السبت 9 يوليو 2011 - 17:07


يعطيك العافيه اخي خالد على هذه التوثيق الاضافي

تحياتي القلبيه لك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خالد الحسامي


avatar

ذكر عدد الرسائل : 3451
العمر : 40
الدولة : اليمن
تاريخ التسجيل : 12/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 11 يوليو 2011 - 15:09

عمنا صالح




أعجبني كثيراً.. كنت أظل معظم ساعات النهار أتابع حركاته وأراقب سكناته .. كان يسير على قدميه وكأنه

يقود سيارة.. فلديه، كما لكل سيارة أربع قوى تميزه.. الأولى وكانت بطيئة وكانت الثانية للانطلاق وتأتي

الثالثة ليستخدمها لأقصى السرعة ونادراً ما يستخدمها هنا في السجن .. أما القوة الرابع فهي للعودة إلى الخلف.


كل من دخل سجن القلعة منذ أكثر من عشرين عاماً يعرفه وربما منذ أكثر من عشرين عاماً لحيته البيضاء

الكثة دليل أنها لم تعرف موس الحلاقة من زمن بعيد كما لم تعرف الصابون بالتأكيد.. وأظافر يديه وقدميه

طويلة تحتها كميات من الأوساخ تحولت بفعل الزمن إلى لون أسود مخيف.


هم يطلقون عليه لقب مجنون ليلى.. لكنني أنا أسميه دائماً وأدعوه باسمه صالح العمراني، أول من عرف قيادة

السيارات في بلادنا في الثلاثينات عندما وصلت أول سيارة إلى صنعاء.


قصته أصبحت معروفة في كل مكان، داخل السجون وكلما دخل معتقلاً جديداً. نسيت أن أقول لكم أن سجن


القلعة هذا هو المعتقل الخاص بالمعتقلين السياسيين والمجانين وهذا بالتأكيد من صنع عبقري يمني لا يعرف

أحد من هو ومتى كان.. لذلك فإن المجانين في هذا السجن ينعمون براحة


أكثرهم لأنهم يعيشون مع معتقلين سياسيين يقدمون لهم الشراب والسجائر والقات.

ولأن كل شيء ممنوع – أقول كل شيء ما عدا القات والسجائر والأكل والهواء، فإن ما عدا ذلك من العن

المحرمات على السجناء.. فلا كتب ولا صحف ولا راديو وحتى العاب التسلية ما خلا المجانين.. وطبعا فإن

أشهرهم وأذكاهم هو عمنا صالح العمراني الذي يمتاز عنا جميعاً بالعراقة والأسبقية ولذلك اخترناه عميداً

للمساجين طبعاً وللسياسيين، ومن هنا كان يحصل على امتياز خاص يومياً.. قصعة حليب وعلبة سجائر

وقليلا من القات.



ولكن لماذا كل هذا الحديث.. ما دمت أريد أن أقص عليكم سبب وجوده هنا، وقصته هذه- واقسم لكم لم تكن من

بنات أفكاري ولا بعض مؤلفاتي القصصية، وبإمكان الذين لا يصدقونها أن يذهبوا إلى هناك وأن يدخلوا

سجن القلعة ليتأكدوا من أنني لم اقل غير الحقيقة.. لأنهم سيجدون عمنا صالح العمراني بقامته القصيرة

المربعة وجسده القوي رغم اليد والأوساخ ولحيته الكثرة وأظافره الطويلة السوداء وطريقته العجيبة في

السير، وقدرته على استخدام مختلف القوى.. وتماماً كما تقود أنت سيارتك يقود نفسه وستجده يقف أمامك

منتصباً معتزاً بنفسه يقول لك في كبرياء:


- أدى ورقة.


وإذا كنت لا تعرف قصده فإنه سيشير إلى جيب قميصك، وأنت في السجن لا تلبس البنطلون لأنه سيعيق

حركتك مع القيد الذي يشد قدميك إلى بعضها منذ دخولك السجن حتى خروجك منه ولا يستثنى من القيد سوى

بعض المجانين اللطفاء.. أما السياسيين والمجانين المؤذيين فإنهم يقيدون بعناية وقيودهم تراقب يومياً عندما

يجمعون " للعراضة " أمام شاويش الحبس وعكفته.


لكن لماذا هذا القفز.. لقد قلت إذا لم تصدق فما عليك إلا دخول القلعة أما كمجنون: وهذا صعب لأنهم لا يأخذون

إلى هناك إلا المجنون الميئوس من شفائه، وأما كمعتقل سياسي، وهذا من أسهل الأمور، وهناك ستقابل عمنا

صالح العمراني وستعرف قصته.. وإذا كانت خائفاً تخشى هذه التجربة وتتهيبها فما عليك ألا أن تصدقني وأنا

أقص عليك قصة عمنا صالح العمراني.


كان شاباً وسيماً فتياً، وهذا ما ستلحظه باقياً حتى الآن، فرغم ابيضاض شعره الذي زحف على كل شعرة في

رأسه وذقنه إلا أن ملامح الوسامة لا تزال بادية خاصة في اشعاع عينيه الواسعتين، كان شاباً وسيماً أذن

ومن القلائل الذين تعجبهم قيادة السيارات، وكان يعتبر أيامها شخصاً يصنع المعجزات وهو يقود سيارته في

شوارع – أسف لم تكن في صنعاء يومها شوارع –بل طرقات متربة أو موحلة تثير تيار الغبار كلما سارت

دابة فما بالك بالسيارة.


المهم .. وقع صاحبنا هذا في شراك الحب وصنعاء أيامها ريالها.. وحتى اليوم لا تزال بحق مدينة الحب بكل


أنواعه لكن صديقنا أو عمنا صالح للأسف وق في حب نجس أثار عليه حفيظة صنعاء وأهلها – وبالمناسبة

فإن صنعاء عندما تثور من أجل مثل هذا الحب فإنها تقيم الدنيا وتقعدها.


لقد وقع أذن عمنا صالح في الحب .. ولكن حب من .. حب يهودية صغيرة في السادسة عشرة من عمرها ..

عيناها في سواد الليل وشعرها طويل وغزير.. جماله .. ويا لله لا أروع منه تثير حسد كل الصنعانيات اللاتي

كن بالطبع يتنافسن على كسب وده وحبه وهو الشاب الذي يقود صاروخاً – آسف يومها كان يقود سيارة –

ويسير بها وكأنه يسير على تراب القمر وملايين العيون تتابعه من أجهزة التلفزيون – أسف هذا بالطبع

مبالغة – فقد كن فتيات من شباب صنعاء يتنافسن على كسب وده وكن يلاحقنه من خلف النوافذ في منازلهم

ويتمنين اللحظات التي يلتفت فيها إليهن. لكنه كان عنيداً كما هو الآن.

- أي ورقة

- ما عد تفعل بها.

اشترى بها سقاره.

وإذا أعطيته ورقة بعشر بقش أو نصف ريال يرفض قائلاً:

- أديني عبدالغني علي، ما عد أفعل بهذا الرحمى. ولا يتركك حتى ينال منك ريالاً سليماً.. وعندها سيعود إلى

الخلف بعد أن يغير قوة محركه إلى الخلف وسيقف أمام الدكان – ولعلني نسيت أن أقول لك أن في سجن القلعة

دكاناً محترماً وصاحبه كذلك إنسان محترم – وسيشتري منه قليلا من ورق الشاي وشيئاً من السكر واللبن

وسيتوجه من ثم إلى حوض المساجين حيث يدعوهم جميعاً إلى حفلة شاي.

لقد أصر على حبه لتلك اليهودية الحسناء وكانت صنعاء مليئة يومها باليهود. ولو لم يكن هو الذي وقع في

حبها لكان تزوجها لكنه ما دام الشاب الوسيم الذي يسوق سيارة وإن لم تكن ملكه لأنه لم يكن يحلم بأكثر من

أن يكون سائقاً تلك المعجزة المتحركة التي هبطت صنعاء يومها من الجو. يصنع مثل أول رجل تجول حول

الأرض بصاروخ.


وتعصبت صنعاء كعادتها وثارت حول قصة الحب تلك ولو لم تثر هذه القضية فلربما نسى صاحبنا تلك

اليهودية أو أهملها بعد أن ينال منها وطراً، لكن ما دام هناك مانعاً لهذا الحب فلا بد من أن تتكرر قصة قيس

وليلى، والمشكلة دائماً هذه عادة في البلاد المتخلفة – يشعلون النار وفي اعتقادهم أنهم يطفئونها .. فما أن

يجدون أن قيساً قد جن حباً في ليلى حتى يبدون سخريتهم منه ويأخذون في رميه بالحجارة، وربما دفن

المجنون أحياناً حياً وهكذا تطورت قصة عمنا صالح، حب محموم بين شاب وسيم وفتاة في جمال القمر

والحاجز القائم يمنع هذا الحب.


-جلنا أسلمي.. جلنا أسلمي يا جحبة.. جلنا أسلمي ولكنها رفضت أن تسلم .. وحتى لو أسلمت فهل ترضى

صنعاء عن هذا الزواج الذي يطعن كرامة جمال بناتها الجميلات بالفعل؟


القضية إذا ليست قضية إسلام اليهودية لأن الجميع يعرفون أن صالح في إمكانه أن يتزوج يهودية وهو المسلم

دون أن يطلب منها أن تدخل دينه.. وهذه قاعدة إسلامية معروفة.


إذا لم تسلم .. ؟ هذا الشرط رفضته فيما يبدوا فلديها هي أيضاً اعتزاز لا بدينها فحسب ولكن بجمالها كذلك.


لقد أحبها صالح، لا لأنها يهودية ولكن لأنها جميلة فليتزوجها كما هي.. أنها تريد أن تتحدى حسان صنعاء

لتريهن أن هذا الذي يقود سيارة لم يقدها أحد قبله أحبها هي ولم يحب ساكنا القصور اللاتي يشرن له بأيديهن

من وراء زجاج نوافذهن.


-جلنا أسلمي يا جحبة .. جلنا أسلمي .. لكن ليلاه اليهودية لم تسلم وغادرت صنعاء، دونما كلمة وداع.. وغادر

صالح العمراني عالم العقلاء إلى عالم آخر خاص به وحده، وأصبح من يومها في سجن القلعة يقود نفسه

وكأنه سيارة.. وعندما يهبط المساء يظل يصرخ طوال الليل بلوعة وعنف:


-جلنا أسلمي .. يا جحبة.. جلنا أسلمي.


لكن هل هذه فقط كل قصة عمنا صالح..؟ لا أعتقد أن هناك شيئاً خفي وراء الرجل، وهذا ما جعلني أعجب به،

وأنا أدفع طبعاً ضريبة إعجابي يومياً.. فما أن يصحو من نومه، وهو يصحو متأخر جداً، حوالي العاشرة

وأحياناً الحادية عشرة لأنه لا ينام طوال الليل حيث يمسي يناجي حبيبته ويحاورها ويصرخ فيها بصورته

الجهوري مطالباً ياها أن تسلم.


ما أن يصحو حتى يشعل موتور سيارته ويدفع بقوته الأولى أولا ثم الثانية، ويجدني باستمرار في المسعى

حيث أظل مع بعض الرفاق في نفاش سخيف يتكرر يوميا كما يتكرر نداء عمنا صالح لحبيبته يطالبها أن

تسلم.. ومع أن نقاشنا لا جدوى منه ولا أمل إلا أننا بالتأكيد لا نريد أن نتخلى عن ظاهرة النقاش السخيفة التي

يتميز بها كل المثقفين وخاصة مثقفي العالم الثالث الذي يسير بخطوات سريعة نحو التقدم وما أن يراني عمي

صالح وأراه حتى أترك حلقة النقاش واتجه إلى الشخص الوحيد الذي أعجب به لأدفع له ضريبة الإعجاب

ريال كل صباح.


ولا أريد طبعا أن أقول أننا نتجاذب أطراف الحديث لأنه لا حديث مع عمنا صالح.. كل الكلمات التي

يستخدمها في حياته لا تتعدى المائة كلمة.. تتكرر كل يوم بل أنه أحياناً لا يستخدم؛ إلا بعضها، تماماً مثل

نقاشنا نحن الذين نسمى أنفسنا معتقلين سياسيين.


- أدي ورقة.


- حمراء وإلا خضراء..؟

- مع .. عبدالغني علي.


ولا أدري ما الذي كان يستخدمه قبل ظهور ورقة الريال الحالي .. هل كان يسمي الريال ماريا تريزا ريال

ليلى أم الحبيبة .. أم ماذا..؟ ولقد فشلت فعلاً في استقصاء ذلك، فالمسجون الوحيد الذي كان موجوداً في فترة

قبل الثورة أعدم بعد دخولنا القلعة بأيام لأن شخصاً ما تذكر أنه قتل شيخاً قبل الثورة وهكذا فقدنا الأثر الوحيد

الذي ربما أفنا بشيء من تاريخ عمنا صالح قبل الثورة.


ولكن حوارنا الأخرس ما زال مستمرا بينما كنا نسير إلى الدكان.. راح يسايرني ببطء .. لذلك فهو يستخدم

قوة السرعة الأولى كثيراً.. ولأنه لو استخدم قوة السرعة الثانية لسبقني بالتأكيد لأنني لا أستطيع أن أجاريه

والقيد يثقل قدمي، وقيدي والعياذ بالله يزن أكثر من عشرة أرطال.. ومن هنا فإنه مراعاة لسرعتي يعود الى

استخدام قوة سرعته الأولى حتى نصل الدكان.


- أدي سكر.. وادي شاهي.. وادي لبن .. وادي بردقان ببقشتين.


- لمن البردقان بالبقشة الثانية يا عم صالح..؟


ويشير بيديه وهو يرد:


-للأردني.. للأردني.. قالي يشتي بردقان.


وساعتها كان الأردني كعادته يراقبه ويؤشر له بقوة .. ويصدر أوامره بشدة.


والأردني بالمناسبة مجنون آخر يقال أنه كان ضابطاً أردنيا في جيش المالكيين اعتقل ووضع في السجن.


ومنذ دخلت السجن كنت مع غير استمع إليه وهو يردد أغانيه البدوية الحزينة التي كان يبيت يرددها طوال

الليل أحياناً.


المهم .. أن عمنا صالح يأخذ كل شيء ثم يمضي إلى جناح المجانين داخل السجن.. وبعد دقائق نراه يأتي إلى

المسعى أو السجن وينادي بصوته الجهوري.


- هيا يا قاضي الحداد، هيا يا سيدي ماجد، هيا يا أخ محمد.. هكذا يدعو جميع المجانين غير المتوحشين منهم

إلى غرفته المليئة بالعلب الفارغة التي يجمعها من كل أنحاء السجن ليقيم لهك حفلة الشاهي الصباحية، ولديه

طبعا حفلة شاهي مسائية كذلك.


وذات يوم قررت أن أمضي معه إلى جناح المجانين، وجناحهم بالطبع جزء من السجن الذي نستخدمه جميعاً

كما نستخدم جميعنا المسجد والدكان، ونفس المطعم وحتى حنفية المياه للشرب ومثلها دورات المياه.. كل ما

يميزنا عنهم هنا أن غرفهم منزوية في زاوية أحد جدران السجن حيث يتكدسون كالحيوانات خاصة الشرسين

منهم.


أما عمنا صالح فلديه غرفة مليئة بأغرب كمية من علب الصفيح الفارغة.. علب اللبن، وعلب التونا، أو علب

السمن والبن. إنها أغرب مجموعة شاهدتها من العلب في حياتي، وهو طوال فترة الظهيرة والعصر يجلس

معها.. ينظمها بعضها فوق بعض حتى تصير مجموعة من الأهرامات.


والغرفة سوداء تماماً من كثرة ما أوقد فيها لتجهيز الشاهي.. أما براد الشاهي نفسه فإنه يبدو كقطعة فحم من

شدة سواده.. وهو يستخدم القصع الفارغة كأكواب الشاهي يشرب منها هو وضيوفه.


ومن الزاوية حصيرة قديمة عليها مجموعة ممزقة من الملابس والبطانيات. لكن هناك ميزة أخرى لعمنا

صالح.. هذه الميزة هي التي تجعل كل من في السجن يحترمه ويخافه.


وهو يغضب بشدة إذا ما سأله أحد مننا في النهار:


-ماذا عد يجري غدوة يا عم صالح؟


وسرعان ما يزمجر ويشتم بكلمات لا تفهم في وجه كل من يوجه إليه هذا السؤال.. ثم يعود بعدها إلى غرفته

غاضباً.

وفي المساء عندما يخيم الصمت على السجن، خاصة بعد أن تنطفئ الأنوار الكهربائية بعد العاشرة فإننا


جميعاً ننصت إلى صوت الأردني وهو يردد بحزن شديد أغنية بدوية لا نعرف معنى لكلماتها.. لكن كل واحد

منا يبني لها الكلمات التي تتناسب ومثار أحزانه وأحلامه.. ولكننا إذا ما بدأ صوت العم العمراني الجهوري

يردد:


" جلنا أسلمي .. يا جحبة .. جلنا أسلمي " فإن صوت الأردني يختفي ولا تبقى غير أصداء جلجلة صوت

العمراني وصراعه العنيف مع الأهرام التي بناها من علب الصفيح الفارغة التي تسمع الأصوات الناتجة عن

ارتطامها بالأرض ثم صوت سقوطه معها وكأنه دوي مدافع أو قصف رعد.


وحين يهدأ بعد ذلك نكون قد علمنا أنه سيبدأ الآذان:


- الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر.. الله أكبر .. ثم ينتقل بأذانه فجأة وبدون أية رواية إلى نهايته – لا إله إلا الله..


عندها يخيم الصمت رتيباً ثقيلاً على جميع غرف المساجين ولا يسمع المرء عندها حتى خفيف النسمات..

يمسك كل سجين أنفاسه.. حتى المرضى المصابون بداء الصدر كانوا يحبسون السعال ويتوقف حتى شخير

النائمين لأن الجميع يتوقعون سماع شيء ما بعد الآذان.


وإذا ما قال بعدها:


- " يا هلا يا مرحبا.. يا هلا " فإن الحزن يصح أكثر ثقلاً والكآبة أعمق أثراً، ويندفع البعض من المساجين في

بكاء صامت إذ في ذلك يعني أن مساجين جدد سيدخلون في اليوم التالي:


أما إذا قال:


- " من وداعة الله.. مع السلامة .. مع السلامة " فإن الفرحة والأمل يتدفق ويعتقد في أعماق كل سجين حتى

المجانين منهم لأن ذلك يعني أن مساجين سيطلقون في الغد.


والغريب – أقسم لكم – أن ذلك تحقق أكثر من مرة طوال بقائنا مع العمل صالح العمراني.






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
صاحبة السمو

avatar

انثى عدد الرسائل : 3389
العمر : 33
الدولة : السعودية
تاريخ التسجيل : 07/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 11 يوليو 2011 - 19:07

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 11 يوليو 2011 - 19:21

محمد الحميدي كتب:

تسلم يدك اختي اليمامه على هذه النقل الرائع

معلومات لم نكن نعرفها عنه كثيرا

مع اني الموضوع طويل و يبغاله وقت للقراءه

الا اني قرائت بعض منها واستفد

تحياتي واحترامي لك

مشكوووور اخي محمد الحميدي
الغرض من توثيق العمل في مجلد ثابت
حتى يعطى فرصة للقارئ للاطلاع عليه متى ما سنحت الفرصة
نتمنى ان تعاود المرور كلما اشتقت لقرأة اعمال هذا الاديب
الرائع الساكن في وجداننا .
يسلموووووا المرور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 11 يوليو 2011 - 19:25

خالد الحسامي كتب:
مشكورة أيتها اليمامة الرائعة

لكي كل التقدير والإحترام على الجهود المبذولة

الشكر لك وللاخ جلال فانتما السابقون في تنزيل اعمال هذا الاديب
وايضاً انتم من اوحى لي بهذه الفكرة وشجعتموني عليها .
فهذا العمل هو عملك ولك فيه الاغلب
فشكراً لك مجدداً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 11 يوليو 2011 - 19:27

جلال الدوسري كتب:



مجهود جباااااااااااار
يستحق التقدير والاحترام00

مع أمنيتي أن يتم نشر ماتبقى من هذه الروائع
للأديب العالمي/محمد احمد عبدالولي العبسي0

شكراً لك اخي جلال
ولا ننسى جهودك والاخ خالد في هذا العمل
منتظرين اثرائكم لهذا المجلد بتنزيل مزيداً
من القصص لهذا الاديب الجميل
يسلمو المرور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 11 يوليو 2011 - 19:29

باسم الزريعي كتب:
لك الشكر والتقدير يا يمامه على هذا الجهد

شي رائع هذا التوثيق لأعمال الاديب الرائع محمد عبدالولي

إنشري المزيد لو تستطيعي ........

اسعدتني بمرورك اخي باسم
فالمجلد هو عمل مشترك مني ومن الاخوين خالد الحسامي , وجلال الدوسري
نورتنا اخي باسم
وكن دوماً معنا على هذه الصفحة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 11 يوليو 2011 - 19:32

صاحبة السمو كتب:

صاحبة السمو مرورك اسعدنا كثيراً
فكوني معنا دوماً
سلمتي غاليتي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خالد الحسامي


avatar

ذكر عدد الرسائل : 3451
العمر : 40
الدولة : اليمن
تاريخ التسجيل : 12/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 18 يوليو 2011 - 6:31

ريحانـــة

هؤلاء الأغبياء يتعمدون إزعاجي في مثل هذا الوقت المبكر. قلت لهم أكثر من مرة بأنني لا أريد كدمتهم ولا

فنجان الشاهي المليء بالقاذورات. لكن مستحيل أن تُفَهمَ عسكرياً بما تريد وأنت سجين. اللعنة، إن الشمس لم

تُشرق بعد. وهم يفتحون زنزانتي ليقدموا لي هذا المزيج الكريه من الأشياء.

فتحهم للباب مزعج، ووضعهم للأشياء أكثر إزعاجاً، وإذا تجاهلت وجودهم يصرون على أن ينزعوا الغطاء

لإيقاظي. يا رب أهو سجن أم تغذيب غبي مركز؟. أن أبقى طوال النهار أحدق في سقف الزنزانة أو أعد

الذباب أو أقتل المزيد من (الكتن).

تمر الأربع والعشرين ساعة وكأنها دهر كامل، والنوم لا يحلو إلا مع ساعات الصباح، عندما يصر (الرَّسم)

على إدخال ما يسمى بالشاهي والكدم.

لا صباح الخير ولا سلام عليكم، بل هيا.. (جم). الشاهي قد هو بارد. إدرسهم أجد هذا الأسلوب من التعذيب،

القيد في قدمي مع الصباح وكأنه قطعة ثلج.. والنوم في هذه الساعات حلم رائع بعيد عن القلعة وزنزاناتها..

عليَّ أن أتعود النوم مبكراً والصحو مبكراً، ولكن لماذا هذا؟. أنا لا أعمل شيئاً طوال اليوم لا لعب هناك ولا

قراءة، لا شيء.. في السقف ثمانية أعمدة خشبية مغطاة بالجص ومن الخشبة الثالثة تساقط الجص من الوسط

فتكونت منطقة فراغ، تحولت إلى مأوى رائع (للكتن). الخشبة السادسة معوجة كتمثال سريالي لإمرأة عارية

معوجة الساقين. أما الخشبة الثامنة فهي ملاصقة للجدار تبدو كصورة حلوة لساحرة نائمة وقد أعطت ظهرها

لفنان مجنون. لزنزانة صغيرة.. إثنى عشر قدماً في ثمانية أقدام. التراب تجمع كبحيرات صغيرة في إنحاء

الغرفة.. وكل يوم ترسل صنعاء إلى الزنزانة المزيد من هذه الحبات الناعمة من ترابها. لو كان يوجد ماء

معي في الغرفة لحولتها إلى حديقة زهور!!، زهور؟!. هنا في القلعة زهور يارب ما أبعد الصورة.. على

جدران الزنزانة أسماء لمساجين سبقوني إليها، صالح علي، الشيخ الذاري، مطهر.. أسماء غريبة وعجيبة

تحت كل أسم عبارة لا تتغير (أنا مظلوم) (يا رب خارجني وأظلم من ظلمني).. لم أكتب إسمي هناك، تذكرت

بيتاً من الشعر، وكتبته تحت الأسماء، بعد أن حورت في البيت..

(دخلنا إلى السجن صفر الوجوه

كما تدخل الطير أقفاصها)

كلمات كثيرة حاكتها فوق الجدران. يمر الوقت. ولكن الوقت هنا لا يمر.. الساعات طويلة جداً. يزيد من طولها

إصرار (الرَّسم) على الإزعاج.. نافذة كبيرة تطل على صنعاء ولكنها سمرت بألواح خشبية.. ألواح غريبة لم

تتجمع إلاَّ هنا!!


أعلى لوح عليه الأيدي المتصافحة وكتبت (…) بالإنجليزية. قنابل دفاعية صنعت في إيطاليا حسب طلب

قوات الولايات المتحدة، وصورة العلم تحت اليدين. تحته لوح آخر أغبر اللون كتبت عليه بالروسية (...)

مقاس 9×9 رشاشات خفيفة. إفتح من هنا، ورسم كأس ومظلة. علي أن أوجد منفذاً بين اللوحين، الروسي،

والأمريكي، لأستطيع أن أنظر إلى صنعاء. لكني أحتاج إلى آله بحثت هنا وهناك. الزنزانة فارغة سوى من

مسمار مغروس في الجدار استطعت استخراجه بعد جهد جهيد.. الباب موصد طوال الوقت، لا يفتح إلا عندما

يريد (الرَّسم) الإزعاج.

إنهم لا يفتحون عندما تدق الباب، ولكنهم يخبطونه بعنف إذا رأوك من خلال الباب نائماً. يفتحونه باستمرار

في ساعة الصباح الباكر بالذات.

بدأت رحلة التفريق بين اللوحين. عمل شاق كان علي أن أراقب الباب خوفاً من هجوم مفاجئ واكتشاف الاله

الحادة في يدي.. بدأ شعاع صغير يبدو بين اللوحين ثم بدا منظر المستشفى الروسي أمامي. يا إلهي، كم تبدو

صنعاء جميلة من هنا. المسمار يعمل جهده، والفتحة بين اللوحين تكبر، وصنعاء تبدو من خلالها – أكبر

فأكبر-. المستشفى، ثم المدرسة، وخلفها العرضي ومقبرة خزيمة.. وجزء من السور الجنوبي، وحنفية المياة

التي تتجمع عندها النساء منذ الفجر.. عرفت الآن سر الأصوات العالية هناك، إنهن يقتتلن من أجل حنفية ماء

كل صباح مع البرد والظلام، كل النسوة هناك بجانب حنفيات قليلة في إتجاه الجنوب. والنساء يحملن الماء

إلى البعيد. المستشفى صامتة حقاً.. أشجارها الخضراء تميل إلى الإصفرار وعلى بابها وقفت مجموعة من

السيارات. أما المدرسة فلا توجد حركة فيها، إنه فصل الإجازات.. منازل صنعاء تبدو من هنا وكأنها تعانق

السماء. كم هي مزعجة في المساء، عندما يبدأون (التذكير) من بعيد منتصف الليل وحتى صلاة الفجر. ألا

يتعب أولئك؟. ربما كانوا الوحيدين المخلصين لعملهم، أو ربما كان ذلك تسجيلاً، لأن كلامهم لا يتغير مع كل

مساء.

في الجوار.. على مدى أمتار من سور القلعة يبدو سقف بيت كبير.. السقف كبير وواسع.. لفت نظري إليه

كثرة الأصص المتراصة. فوق جدرانه العالية، أصص مختلفة الأحجام والأشكال.. لكنها جميعاً تحتوي

الريحان.. أخضر اللون متفتح.. أحس أحياناً وكأنني أتشمم عبيره المفرح.. وريقات الريحان يانعة وزاهية،

ربما كان ذلك لأن بقية البيوت حول ذلك المنزل لا يضم سقفها هذه الكثرة من الأصص.


مر اليوم الأول وأنا أحملق بفرح صبياني إلى العالم الذي أكتشفته من خلال الفتحة السحرية. جبل عيبان يشمخ

هناك أمامي متحدياً الزمن والغبار والناس. طائرات صغيرة تهبط وترتفع من المطار الجنوبي. أحملق فيها

وهي تذهب بعيداً خلف عيبان.

مر اليوم ولم ألمح أي شخص على سقف ذلك المنزل. من يأتي ليسقى تلك الرياحين هناك؟!. لابد أن أعرف.

قبل الليل. تلألأت المدينة بالأنوار. شارع الزبيري تخترقه السيارات أضواؤها تثير الفرحة في أعماقي.

الناس هناك يسيرون ويضحكون ويبكون وأنا هنا وحيد، لا يعلم أحد شيئاً عني، لا أحد. أنظر إلى الناس..

أشباح تبدو من خلال النوافذ المضيئة في المنازل. تتكون النوافذ مع سطوع النور، وتنسدل الستائر.. الناس

يعيشون بهدوء، ربما يبكون أو يمارسون الحب، أو يحلمون.


تعبت عيناي. أعود إلى الزنزانة من جديد أقتل (كتناً) هنا وهناك، أسمع رنات قيود سجناء أخرين لا أراهم.

ضحكات (الرَّسم) ترن في (الطارود). شعرت بتعب.. أرهقني كثرة النظر إلى الخارج. المساء حزين هنا.

الأنوار تتلاعب في الخارج.. في التاسعة ماتت الشوارع. عيبان يبدو مسوداً بغضب، لكن الأنوار لا تزال

تخفق فوق صنعاء.. في العاشرة كان الحي المجاور للقلعة قد نام، لكن بعض الأنوار في وسط المدينة لا تزال

تقاوم. صلاة.. صلاة.. فتح أحد (الرَّسم) الباب بعنف.. الليل لا يزال يخيم على المدينة.. والنور القابع وسط

السقف يرسل شعاعه القوي.


إذا لم أغسل وجهي الآن فلن أجد ماء بعد ذلك.. هم أنفسهم لا يصلون. لكنها طريقة ذكية للإزعاج.

عدت من الحمام. الماء بارد كالثلج. لكني وجدت فرصة لأغسل وجهي وشعري، وقدماي عدت إلى الفراش

أبحث عن الدفء، ولكن كل شيء كان بارداً كالموت.


الفجر يرسل تباشيره من خلف جبل (نقم)، هادئاً ولطيفاً.. السماء صافية تماماً والشعاع القادم من بعيد يطارد

الظلام بخفة. الظلام يهرب من على عيبان. السماء تبدو واضحة، بيضاء مع لون خفيف أزرق. لكن اللون

القادم من وراء نقم بدأ يتحول إلى لون برتقالي فاتح. ينتقل الآن من هناك إلى عيبان. الظلام يبتعد عن عيبان

بعيداً نحو الرحبة.. السماء تزرق قليلاً، وثمة لون برتقالي فاتح يتراقص فوق الجبل، الهضاب النائمة في

أحضان عيبان واضحة تماماً الآن.. بيوت بيضاء ورمادية. تبدو قرية (حدة) أكثر جمالاً الآن حتى لون

الأشجار، إنها تبدو الآن خضراء بوضوح.

الضوء يتراقص الآن فوق نقم، قوياً وفتياً، أشعته تنعكس بسرعة على قمم عيبان وفوق منازل القرى هناك،

لكن الظل لا يزال يخيم على المدينة وتحت أقدام (عيبان) لا تزال سحابة صغيرة من الندى ترتبط بالأرض

بقوة. وكذلك فوق بعض الحقول جوار المطار. أما (الرحبة) فلا زال الظلام يقاوم فيها بيأس. المدينة تكبر


وتكبر تحت أضواء الصباح. سيارات قليلة تمرق هنا وهناك.. لكن الناس لا يزالون في البيوت.


أغلق أخر مكرفون في مسجد بعيد الآن أنتهت صلاة الفجر والأدعية الكثيرة بعد ذلك.


أصوات أطفال ترتفع من مكان ما.. أنها جنازة صباحية، صلي عليها في أحد المساجد، النغم الحزين لأصوات

الأطفال الباردة تحملها النسمات الصباحية. شعرت بكآبة وحملقت في السماء. الألوان اختلطت ببعضها

البعض. وبدا الضوء هادئاً وجميلاً وقوياً.. قمم عيبان تعكس أضواء الأشعة.. أما بيوت القرى هناك فتعكس

الألوان الزجاجية. ترسل إشارات ضوئية لطيفة. أصوات الأطفال تردد باستمرار (حيٌّ دائم) (لا إله إلا الله..

فرد صمد. وثمة أصوات كسلى لرجال يحملون الجنازة وهم لا يرغبون في الاستمرار. لماذا يدفن الناس هنا

مع الفجر؟!.


لم أجد جواباً، لكن أطراف المدينة بدأت تغتسل بضوء الصباح.. تحول الندى إلى الوان ضوئية متعددة.


صوت طائرة تستعد للإنطلاق.. سيارات، ونساء هنا وهناك، يحملن الماء من الحنفيات المتعددة أمام

المستشفى إلى منازلهن. نساء سود يرتجفن من البرد. لكن الماء ضروري.. (حيٌّ.. دائم..فرد.. صمد.. لا إله


إلا الله) غابت الجنازة في مكان ما في المدينة.


أوراق الريحان تتلألأ من الأشعة الصباحية، تبتسم لي هناك فوق سقف دار قريب أنها تتفتح مع شعورها

بالحرارة. استقبال رائع للضوء.. وهناك على مقربة من أصص الريحان، كانت تقف.. سروالها يغطي الجزء

الأسفل، وفوقه ثوب قصير أسود.. على رأسها غطاء صغير يضم شعرها الذي تمرد على الغطاء وأصبح

يرقص مع النسمات الندية برشاقة كأنها تدربت على (ريجيم) معين. تسير بخفة من أُصً إلى آخر، وتفرغ

فيها من وعاء معها قطرات من الماء. إذن تأتي هي أيضاً مع الفجر. لم أرها طوال النهار وها هي تأتي الآن.

دقائق فقط.. لكنها كانت بالنسبة لي دهراً.. التفت نحو أصص الريحان. بدت لي عيناها سوداوان.. هكذا خلتهما

من بعيد.. واسعتان.. لولا (الخُنَّة) لرأيت وجهها حتى مع الفجر.. ألا تبعد ذلك الشيء الكريه الذي يغطي أجمل

ما فيها.. نصف وجهها.. أنامل يديها رقيقة. أراها تتجول من مكان إلى أخر تسقي ريحانها.. سميتها في

الحال، (ريحانة).. أنهت عملها. وقفت تنظر إلى الرياحين بفرح.. ربما كانت هناك ابتسامة ما تحت (الخنة).

سارت فوق السقف.. رقص قلبي مع خطواتها الناعمة.. عند الفجر كانت قريبة جداً مني.. حتى أنني كدت

أُلآمسها.. ولكنها غابت في باب السقف.. هوت إلى أعماق المنزل.


أشعة الشمس تغمر المدينة.. الحركة تكبر، وضوضاء سيارات تدخل القصر لحمل سلاح أو إدخال سلاح.

أصوات جنود وضباط وقبائل.. الكل هنا يأتي للبحث عن سلاح.. لكنها لم تكن فوق السقف طوال ذلك اليوم.


كان آذان الفجر يشق السماء، وكنت قابعاً هناك بجوار النافذة أحملق في الظلام.. لا تزال النجوم تلمع فوق

عيبان ونقم. عندما فتح أحد (الرَّسم) الباب، نظر إليَّ باستغراب، فقلت له: (صلاة ماه.. يا خبير.. صلاة).

قمت سريعاً، والرجل لا يزال يحملق. لم يكن هناك وقت لإزعاجي.

عدت سريعاً أيضاً لكي استمتع بالفجر. بالشعاع والألوان الزاهية التي يصنعها قدوم يوم جديد. ها أنذا الآن

أحدق في سقف ذلك الدار.. أنتظر اللحظات التي تشرق فيها شمسي التي أكتشفتها بالأمس.. (ريحانة).


بدت كفجر جديد.. بثوب ملون فوق سروال أخضر شعرها الأسود الطويل لا يزال متمرداً على المصر. يداها

هذه المرة كانتا عاريتان حتى المرفق.. سواعدها بيضاء كزبدة الفجر.. عيناها شعاع الفجر كله.. كان ضوء

الصباح يملأ المدينة وكانت هي مصدر ذلك الضوء الهادئ.. تنقلت من أُصً إلى أخر بخفة ملاك.. نظرت

مرتين إلى ما وراء سقفها.. أشارت بأناملها تحية لإنسان لم أره.. ربما لإمرأة أخرى مثلها فوق سقف أخر

هناك، عادت إلى أصص الريحان وأنا أكاد أطير من فوق حائط السقف إليها.. قطفت غصن ريحان من إحدى

الأصص واستنشقته بفرح الصباح. كادت أخشاب النافذة أن ترمي وجهي وأنا أحدق.. كنت أتنفس مع ندى

الصباح ونسماته رائحة الريحان القادمة من عند جارتي التي لا تعرفني.. علاقة قديمة استمرت تربطني بها.

مع الصباح بل وقبل الفجر كنت أنتظر الفجر وانتظرها. كلاهما أصبح بالنسبة لي غذاء كل يوم.. ولم يعد

(الرسم) يطرقون الباب أو ينادون للصلاة.. فقد كنت أصحو بدون أي طلب منهم. بل بدأت أزعجهم أنا طالباً

الوضوء قبل الوقت المحدد حتى أتفرغ للقاء حبيبتي ريحانة. كل يوم كانت تبدو بثوب جديد. مرة سقط غطاء

الرأس فتطاير شعرها فوق وجهها فرحاً بحريته. لم تعده إلى أسره. ظل يتراقص حول وجهها وهي فرحة..

كل صباح تقطف قبضةً من الريحان.. تقبلها وترسل يديها نحو السماء في صلاة غامضة.


كان الوقت في الصباح يمر كالشعاع، سريعاً، ومع ذلك كنت أنتظر كل اليوم تلك اللحظات. أبقى طول النهار،

وأنا أعيد رسم كل حركة تصدر منها.. انحناؤها فوق الأصص.. قطفها أغصان الريحان، تقبيلها رفع يديها

نحو السماء.. حتى خصلات شعرها الأسود الطويل كنت أظل أرسمها وأتخيل تموجاتها هنا وهناك مع

نسمات الفجر.. أصبحت أعرف عدد الوان ملابسها فهذا الذي لبسته اليوم كانت قد لبسته قبل ذلك بأيام.


بدأت أسجل في ذاكرتي ذلك الثوب الذي كان عليها صباح الجمعة، أراه عليها أيضاً يوم الثلاثاء.. وسروالها

الأحمر لا تلبسه إلا مع الثوب ذي الألوان الوردية.

أصبحت أجد أن التفكير فيها يشغل فكري يوماً بعد يوم. أصبحت قريبة مني لدرجة أنني أعرف ماذا ستعمل

صباح كل يوم.. تمنيت لو كنت ريحانة في يدها أو أصصاً فوق حائط سقف دارها.. من هي تلك الملاك الذي

يفجر في أعماقي كل هذه المشاعر؟! لم تعد المدينة بأضوائها الليلية أوأشعتها المضخمة كل صباح بالندى

وبأشعة الفجر تهمني، بقدر ما تهمني هي..

فرحة الطفولة التي تتبدى على ملامحها وحركاتها دليل شيء ما.. أتحب تلك الريحانة إنساناً ما؟ أكيد.. كان

هذا يؤلمني. فمن يكون ذلك السعيد الذي ستكون من حظه.. عمرها بين السادسة عشر والسابعة عشر.. لا

أكثر.. ربما أقل.. بيضاء. عرفت ذلك من أصابعها وملامح وجهها الذي تسجنه (الخنة)..


مضت الأيام والعلاقة الحميمة لا تنفصم بيننا ورغم أنهم سمحوا لنا أن نبقى فوق سقف السجن لمدة نصف

ساعة كل يومين بعد أن أصابنا الهزال وبعد أشهر طويلة، إلا أن الشمس والهواء هناك لم يكونا شيئاً بالنسبة

لي. صحيح أنني رأيت عدداً آخر من النساء فوق أسقف منازل كثيرة ولكن لم تكن هناك واحدة مثل (ريحانة)

لم أعد أراها عند طلوعي (للتشمس).. حاولت أكثر من مرة أن أسأل أحد (الرسم) عنها، لكني خفت أن يعرف

سري. وأن أحرم من ريحانة أو ينقلني إلى زنزانة أخرى قد لا أراها من هناك.


هكذا بقيت وفياً لوعدي مع ريحانة، رغم أن أكثر من إمرأة رأيتها حتى بدون تلك (الخنة) اللعينة. وكانت هي


دقيقة أيضاً في مواعيدها..


حتى كان ذلك الصباح.. الذي لم تظهر فيه بموعدها. مر اليوم وأنا أحملق ولكنها لم تأت.. ماذا حدث لها؟ أهي

مريضة…؟ أم ذهبت إلى مكان آخر؟ لكنها لم تقل ذلك صباح الأمس؟ لم أجد الجواب، ولم تظر هي..

مر اليوم ثقيلاً. بطيئاً.. فقدت كل رغبة في الأكل أو الحديث مع (الرَّسم). وفقدت الرغبة حتى في الذهاب إلى

الحمام.

لم أنم ليلتها.. ربما تظهر قبيل شروق الشمس. رحت أحملق وسط الظلام.. أصص الريحان لا تزال واقفة

خضراء تمتص من الندى، تنتظر الفجر وريحانه.. أقبل الفجر بألوانه المتعددة، لكنها لم تكن هناك. أنها

مريضة بالتأكيد، لماذا لا يستدعون لها دكتوراً ليعالجها.. لابد أن تعود فالريحان ينتظر من يسقيه.




أصبت بمرض غريب، فقدت الرغبة في كل شيء. الأكل، النوم، الحديث، أصبح همي هو أن أحملق وأحملق

فقط.. لكنها لم تظهر في اليوم الثالث أيضاً.


مضى أسبوع.. أصص الريحان لا تزال هناك، لكنها لم تعد خضراء كما كانت.. بعضها أصبح (يقاوم)،

ولكن البعض بدأ يموت.


مضى أسبوع أخر. ماتت بعض الرياحين في الأصص وبقى البعض الأخر شاحباً مصفراً. ماتت كل

الرياحين في الأسبوع الثالث، وبقت الأصص وحيدة.. وريحانة لم تظهر.. كنت مستمراً في احترام مواعيد

الفجر ولكنها أخلفت كل المواعيد ولم تعد.



أصبحت الرياح تهب على صنعاء.. وعواصف الرمال تغطي المدينة.. وكانت الرياح تأخذ من أصص

الريحان بقايا التراب.


يا رب.. لماذا ذهبت.. ماذا حدث لها. هل ماتت..؟ لا يمكن أن يموت من كان مثلها ربما تزوجت.. فكرت

كثيراً ولكني استبعدت ذلك لأن الزواج مثل الجنازة هنا في صنعاء ينشدون له طوال الليل بأغاني دينية

حزينة.. ولم أكن قد سمعت أي نشيد يطلع من ذلك المنزل.. لابد أنها سافرت.. إذن لماذا لم تترك من يعتني

بريحانها…


لقد ذهبت فجأة.. هذا هو السبب الوحيد.

مع فجر اليوم التالي سمعت بكاء الأطفال وهم يرددون: (حي.. دائم.. أحد.. صمد.. لا يدوم إلا الله.. لا إله إلا

الله).


إنسان أخر غادر الحياة دون أن يأخذ شيئاً. رأيت الجنازة تمر في الشارع المقابل لجدار المستشفى.. إذن هو

من هذا الحي المجاور.. الجنازة صغيرة.. والأطفال يبكون بأصواتهم (حي.. دائم.. أحد.. صمد).

بعد أيام وأنا في سقف سجن القلعة قلت لأحد (الرسم):- كانت هناك رياحين ولكنها ماتت.. ألا ترى أنهم

مهملون. قال لي بعد أن نظر إلي:- أين ماتت هذه الرياحين؟ في ذلك المنزل!! وضحك.

قلت:- لماذا ضحكت...؟

قال:- يقولون، أنهم وجدوا زنوه قبل أسبوع..

قلت: ماذا؟!

قال: طفل ميت.. رجموه جوار جدار القلعة. وجده أحد العسكر في الصباح..

قلت: وماذا إذن؟

كانت دقات قلبي تتسارع.

قال: لا شيء، قبل كم يوم دفنوا إمرأة ماتت في ذلك البيت..

ضحك مرة أخرى، وقال:

- الدنيا كلها فاسدة.. (قحبة) لقطت كلب من الشارع..

قلت وأنا أكاد أصرخ:

- وما علاقة هذا بذاك؟

قال – ما فهمت.. البنت التي كانت في ذلك المنزل هي أم (الزنوة).. قتلوه.. وبعد ذلك قتلوها ودفنوها.

قلت: هكذا!!

قال: هكذا..

لم يكن قد مضى على وجودي في السقف سوى دقائق. طلبت النزول إلى زنزانتي.. وبقيت هناك أبكي

(ريحانة) كأنني طفل فقد كل شيء فجأة.. وبدون سبب.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أبونواف البكاري


avatar

ذكر عدد الرسائل : 4034
العمر : 37
الدولة : اليمن
تاريخ التسجيل : 02/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الثلاثاء 26 يوليو 2011 - 22:02

لا أعرف كيف أشكرك على هذا المجهود الرائع الذي تفاجئت به يا يمامه لكني أشكرك على كل حال كل التحايا الطيبات


http://albokary.maktoobblog.com/
مدونتي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الثلاثاء 6 سبتمبر 2011 - 8:05

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخترت لكم رواية من اشهر روايات الاديب الكبير محمد عبدالولي
وهي ( صنعاء مدينة مفتوحة )
ونظراً لطول الرواية , ارتأيت ان انزلها على اجزاء
حتى يتسهل قرأتها من قبلكم
اتمنى ان اكون قد احسنت الاختيار

صنعاء .. مدينة مفتوحة
(1)
تسللت كثيرا قبل أن أكتب لك.. فأنا عادة لا أحب مطلقا أن أكتب.. حتى لأقرب الناس إلي.. ولكن.. هناك شيء ما يجذبني إليك .. لعلها صداقتنا التي ولدت في هذه الظروف الحرجة.. صداقتنا التي في عمر الزهور .. والتي أتمنى دائماً أن لا تذبل.. بل أن تستمر يانعة مدى الحياة.
أن وداعك لي كان بمثابة انفصال قوي عن ذاتي.. فأنا لم أتعود أن أهب أصدقائي الكثير.. ولكن بطريقة ما أخذت معظم ما في داخلي .. بل أصبحت جزءا من نفسي.
كان الوقت عصرا والشمس تميل بقوة نحو المغيب ولكن الطبيعة أرادت أن تجعل وداعنا كبيرا لا يشمل كلينا فقط بل يشمل كل ما حولنا.. فبكت السماء بقوة وعنف.. وبكينا نحن أيضاً.. ولا أدري أيضاً لماذا بكيت لعلها أرادة السماء ومضيت بعيدا عني ورأيتك تنتزع خطواتك من فوق البرك والأوحال التي صنعتها الأمطار.. حقا وداعا لا أستطيع أن أعبر عنه.. وغبت عن ناظري وأنا لم أزل واقفاً عند بوابة " حضيرة السيارات " في " دار سعد " وأحسست عندها أن فراقنا سيطول.. ولن يكون لمدة ثلاثة شهور فقط.ولكن كذبت نفسي.. وقلت سأعود لك قريبا .. بل قريبا جدا.. لنثبت صداقتنا وندعمها أكثر من ذي قبل.
ومضت بنا السيارة الكبيرة والأمطار تهطل بشدة وعجلات السيارة تغوص المرة بعد الأخرى في الأوحال.. والبرك .. وأخيرا في رمال الصحراء . وكان سفري تعبا فقد تركت المدينة والحياة الصاخبة والأصدقاء تركت كل ما كان يدفعني ويشعرني بالحياة، ولا أطيل عليك فلقد وصلت القرية بعد يوم كامل من الإرهاق. آه كم أتمنى أن لا أتذكره، لأنه يذكرني بواقعي القذر الذي أعيش فيه. ويعيش فيه كل أبناء وطني. ولكن مالي وما لأبناء وطني.. أنني أنا ؟؟ وأنا فقط من أهتم به .. ومهما كان الطريق غير ممهد.. والصحراء تأكل سيارة تلو أخرى والأمطار غزيرة حتى أنها تغرق القرى وتدفع السيول التي تختطف الأطفال الصغار.. والكبار كما سمعت .. بل وكما رأيت بعيني في " وادي الصميتة "، ذلك الوادي الذي يشبه الجنة في هدوئه وجماله ذلك الوادي الذي يعيش ويعيش فيه سكانه " بصمت " حتى يخال إلى أن لا أحد يعيش فيه.
مهما كان فلقد وصلت القرية. كانت هادئة .. ميتة.. لا حياة فيها لأمثالي، وكان الفراغ يملأ حياتي كل يوم.. وكل ساعة. وأنا كما تعرف شاب مندفع لا يحب مطلقاً أن يعيش بلا عجل.. بلا حركة .. بلا خفة. وشعرت بالسأم بعد أيام قليلة من وجودي فيها. لك الله يا صديق كم أذنبت في حقي حين تركتني وحدي أسافر على القرية ناصحا أياي واصفا لي الهدوء الذي سيعود إلي حياتي والأوقات التي قد تعيد لي ثقتي بالحياة كلا يا صديقي فالحياة التي تملأ حياتي وتعيد لي ثقتي بنفيس هي حياتنا نحن معا في العمل الحقير الذي نعمله وفي الساعات التي تقضيها معا في حافة ذلك اليهودي.. أو في بيت عاهرة طيبة وجميلة أو في الشاطئ الممتد إلى ما لا نهاية حيث أصوات الأمواج تطغى على همسنا وعلى أصوات أقدامنا التي تقذف بعنف إلى البحر بزجاجات الخمرة الفارغة التي خلفها في الليلة السابقة عشاق الوحدة وجمال الشاطئ .. مع نساء .. أو مع أنفسهم.. أو في ساعتنا على سرائرنا الخشبية في مقهى " الحاج علي " " الخساف " وقت الظهر ونحن نلوك تحت أسنانا أعشاب القات الخضراء.. المصفرة نوعا .. أو مع مناقشاتنا التي تخلقها فينا حرارة القات. تلك هي الحياة الحقيقية التي أريدها. أما هنا .. فال شيء سوى النوم حتى منتصف النهار.. والكسل .. وأكل القات وحيدا . حيث أنني لا أحب الذهاب إلى منازل الآخرين حيث يجتمع عشائر القرية ويتحدثون حديثا مسئما.. لا أعرف منه شيئا. حتى والدي.. ذلك الإنسان البسيط الذي كنت أحبه من قبل أصبحت أتحاشى مقابلته كثيرا. خاصة وأنت تعلم موقفه من خلافي مع أخي " سيف ". أما أمي المسكينة فهي تعيش على هامش الحياة. لقد أصبحت يا صديقي عجوزا محطمة .. بل أنني أخاف أن تفقد بصرها. وهكذا ترى أن منزلنا أصبح يسوده الوجوم.. والحزن. أما زوجتي تلك الفتاة الجميلة التي همت بها حبا حين كنا نرعى الأغنام على جبال قريتنا.. والتي أثارت ضجة حتى تزوجتها.. قد أصبحت الآن عودا يابسا.. لا حياة فيه. أن أعمال المنزل المثيرة والمرهقة قد حولتها إلى مجرد آلة من أجل الآخرين. وكم حاولت أن أعمل من أجلها شيئا.. ولكن لا فائدة. أما أخي " سيف " فلقد هجر المنزل إلى مكان آخر مع زوجته.. بل وطالب بنصيبه من الأرض حتى يستقل استقلالا كاملا عن الأسرة. ولم أكن لأحب ذلك مهما كانت خلافاتنا إلا أنك تعرف أخي.. جيداً.
وهكذا تراني يا صديقي لا أجد الحياة التي جعلتني أحلم بها والتي من أجلها أسرعت إلى القرية. القرية يا صديقي أصحبت كابوسا علي.. وأصبح وجودي فيها شيئا لا فائدة منه.
أما الناس .. آه لكم ظلمتني .. أنا لم أكن أريد أن أعود إلى القرية. حتى لو مات كل من فيها. ماذا يهمني منهم؟ ولماذا أعيش بينهم. الناس يا صديقي هم ناس بلادنا.. بدون تفكير بدون أمل في المستقبل.. بدون شيء. يأكلون القات .. مرتاحون ولا حديث لهم إلا عن " فلان " الذي عاد إلى القرية وبجيبه " الريالات " التي لا تنتهي .. وعن " فلانة " التي لاحظوا أنها تتزين وتلبس ملابس نظيفة.. رغم غياب زوجها عنها منذ سنوات أربع. أحاديث تصيبني بالغثيان كلما استمعت إليها. فأهرب من الناس.. ومن نفسي .. إلى الجبل. وهنا أجد لحظات جميلة .. سعيدة . لكن أيضا لا فائدة منها. بالأمس أدركتني الأمطار وأنا أنظر من " الاكمة " إلى الوادي الأخضر تحتي ومدرجات الزراعة تكسوها الأعشاب الخضراء التي بدأت تتفتح لموسم جديد ورأيت عدة فتيات في الوادي يملأن جرارهن من الماء العذب. ولم أهرب من الأمطار. بل وجدت لذة لا حدود لها وأنا أرى الفتيات يتسابقن في الهروب والاختباء وابتسمت رغم أنني كنت مبللاً والمياه تغمرني وشعرت بطفولتي كلها تتجمع وتجعلني أقفز وأجرى وألعب بالمياه ورفعت رأسي نحو السماء وفتحت فمي استقبل به مياه الأمطار قبل أن تصل الأرض. وقبل أن أعود المنزل بعد أن هدأت الأمطار رأيت فتاة كانت قد تخلفت عن العودة إلى منزلها تجمع قليلا من الأحطاب من فوق الجبل فداهمها المطر فاختبأت في بطن كهف. وكان من سوء حظي أو حسنه لا أعرف أن رأت الفتاة كل ما فعلته وحين قابلتها ابتسمت ابتسامة جذابة .. أحسسن أن فيها نوعا من السخرية ولكني تجاهلت ابتسامتها ومضيت عائداً إلى المنزل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الخميس 8 سبتمبر 2011 - 9:55

(2)
مضى أسبوعان لوجودي في القرية وبدأ كل فرد فيهب يتحدث عني. منذ أيام سمعت أحدهم يقول أنني أعامل والدي معاملة سيئة وأنني أرفض العمل معه في الأرض وأنني أيضا أترك كل تلك الأعمال لزوجتي. نعم يا صديقي أنا لا أعمل لأن العمل هنا يرهقني بل يقتلني. وليس ذلك فقط.. بل أنني قد أصبحت متهما من الجميع هنا.. لماذا؟؟ أنك تعرف السبب جيدا. أنا لا أحب مجالسهم.. ولا أحاديثهم .. ولا أحضر معهم الصلاة في المسجد.. لأني لا أحب الصلاة حتى صلاة الجمعة .. وأني فوق ذلك كله.. أحب أن أكون وحيدا. بلا أي إنسان. أنني أكره أي منهم يحاول تعكير حياتي التي رسمتها
أنهم يقولون أن " نعمان " بخيل وأنا لا أتصوره بخيلا مطلقاً. أنني بخيل لأنني لم أدع أحدا منهم إلى المنزل حتى ولا لأكل القات. ولق حاولوا ذات يوم أن يعكروا الحياة التي رسمتها.. إذا أقبلوا جميعا إلى المنزل وفي يد كل منهم " عقارة القات " واستقبلهم والدي. وحين بحث عني كنت قد أخذت " قاتي " وذهبت إلى الجبل وحيدا.. وقضيت يوما جميلا.
وهناك تعرفت على الفتاة التي اخبرتك عنها من قبل ولقد رأيت أن لها جمالا مثيرا.. أنها تقضي دائما ظهر كل يوم في الجبل تجمع أعواد الحطب اليابسة.. وكانت كلما رأتني ابتسمت وفي ابتسامتها أجد عالما جديدا في هذا العالم الذي أعيش فيه.. ولكنني كما تعرف لن أجعل علاقتي معها أكثر من تمتعي بجمالها. لأن الحب يا صديقي لا أعرفه.. بل لا أحس بوجوده. خاصة هنا في هذه القرية بعد تلك القصة التي أثارت قريتنا منذ خمس سنوات حين أصررت على الزواج واخترت زوجتي بنفسي.. لأني كما قلت في ذلك الوقت كنت أحبها. وتحت إصراري وثروتي تمت الزيجة. وكان كل شاب في قريتنا يحسدني لأنني تزوجت حسب رغبتي. وقال البعض أن حياتي المستمرة في المدينة قد جعلتني أشد تمسكا برأيي عن أن أوافق على رأي أهل القرية.
أما الآن .. فأنا لا أعرف ما هي تصرفاتي أزاء زوجتي. لعل أهل القرية على حق في قولهم أنني لا اهتم بها. ولكم تساءلت: لماذا لا أحاول خلق ذلك الحب القديم..؟ ويكون جوابي سلبيا في معظم الأوقات. لا تصدق أن في داخلي شيئا إزاءها. أنني أريد إنقاذها من الجحيم الذي تعيش فيه ولكني لا استطيع فهي الإنسان الوحيد الذي يستطيع رعاية والدي ووالدتي.. بل أنني لا أغالي إذا قلت أنها أصبحت لهما أكثر فائدة مني ومن أخي " سيف " وهكذا ترى أن علاقتي بزوجتي أصبحت في حكم المقطوعة .. أننا لا نرى بعضنا إلا في ساعات المساء.. وأحياناً لا أراها طوال النهار.
أما والدي فقد أصبح المسكين لا يستطيع التحدث معي. أني أرثي لحال هذا الإنسان القوي.. الجبار الذي مارس حياة عنيفة في بلاد الآخرين حين كان في الخارج... أصبح اليوم إنسانا محطما لا يستطيع تقويم حياته هو وحده.
أنني يا صديقي لا استطيع أن أجد لتصرفاتي تبريرا معقولا.. أن الفارق بين جيل انتمي إليه وجيل سكان القرية هو السبب أن حياتنا مع لا تحتمل .. فلا بد لأحدنا أن يخلي السبيل.. ولن نكون نحن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 12 سبتمبر 2011 - 8:33

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يا جماعة وينكم تتابعوني ولا لا
صدقوني القصة دي روووعة
تظهر فيها معاناة اليمنيين في الشمال والجنوب
وتتعرض لاحداث تاريخية ربما البعض لا يعرف
عنها شيئاً .

(3)
سأغادر القرية.. هذا هو شعاري. أن حياتي أصبحت لا جدوى منها هنا فلا بد من الرحيل .. ولا بد لي من ممارسة حياتي العادية.. أنني لا أتصور أن " نعمان " الشاب ذو الخمسة والعشرين قادر على البقاء لمدة ثلاثة شهور بلا رفيق سوى الوحدة. وفتاة الجبل النارية الجمال أصبحت جزءا من حياتي .. أخاف منها اليوم أكثر من خوفي من الآخرين. أنها يا صديقي زوجة لأحد أصدقاء الطفولة.. لا أستطيع أن أتخيل هذا الإنسان الذي يترك مدة أربع سنوات جمالا إليها بديعا كهذا الجمال. أنني أصبحت أقضي معظم وقتي فوق الاكمة أنظر إليها وهي تجمع الأحطاب وأتعمد أن أجعل عيني تلتقيان بعينيها.. وابتسم لها. ولولا خوفي من السنة الناس لتحدثت معها بل.. لقضيت معها ساعات جميلة. أنها في العشرين من عمرها.. سمراء بلون الأرض التي تعيش فوقها ذات شعر أسود كالليل .. وأنف مدبب حاد عليه سيماء الحزن الذي ترسله عيناها السوداوان الكبيرتان ذات الشعاع اللامتناهي من الحنان والرقة... وهناك شفتاها الصارمتان.. والرقيقتان معا. أما قوامها فلا أستطيع تحديدا له.. إلا أنه جميل.. رائع تحت ثوبها الأسود الحزين كحياتها.
(4)
لن أبقى لحظة.. سوف أغادر القرية.. سأعود إلى المدينة .. إلى الصخب.. والدفء.. والصداقة.. إلى الحياة التي تشعرني.. الإحساس بها...
أذن لقد تركتني .. لقد أحسست بذلك منذ أن ودعتني في ذلك اليوم الممطر. أتمنى لك حياة سعيدة أينما ذهبت.. أنني أعرف أن صداقتنا كانت من أروع ما عشته في حياتي. يا صديقي أبكيني أينما كنت .. لأنني أتمزق.
سأنهي إجازتي في القرية.. ولكن سأقفل منذ الغد باب الحجرة.. ولن أرى أحداً. سأظل أطل من نافذتي الصغيرة على العالم.. سأرى الأمطار وهي تتدفق فتمحوا كل ما رسمته أقدامنا من خطوط.. وأعلق نظري على أكمة الجبل حيث تجلس فتاتي الجميلة. نعم يا صديقي .. أنني أشعر أن بداخلي شيئا يتحرك شيئا سيحطم حياتي كلها.. وربما حياة من أعيش بينهم. ولكني سأستمر ولن أتوقف مهما كانت الخطورة. دعهم يتحدثون بما يشاءون. فليقولوا أن " نعمان " يعشق زوجة " درهم بكر " وليقولوا أنها أيضاً تعشقني.. فما دمنا كلانا نجد السعادة في أحضان.. الحب.. أو الخطيئة.. سمها ما شئت.. فلا يهمنا ما يقولون. لأن دماء الشباب الحارة المتدفقة لا يستطيع أحد أن يوقف تدفقها.
لم تخبرني إلى أين ستذهب للعمل. كل ما سمعته أنك ذاهب إلى فرنسا.. حيث وجدت لك عملا.. لا تنس.. واجعل رسائلك دائما مليئة بالحياة. وصف لي ما سيحدث لك فربما.. ربما فقط أهرب من حياتي هذه .. وأرافقك. ولا تنسى صداقتنا هذه لأنها ما زالت طرية.. كعود الياسمين لا تتحمل هزات الرياح البسيطة.
كل شيء يا صديقي صامت .. حزين.. كأنني في مقبرة .. وحولي شواهد القبور المخيفة.. كم أكره المقابر.. وسكانها. وداعا يا صديقي وبلل دائما خدك بالدموع كلما تذكرتني لأنني سأفعل مثلك.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الأحد 12 فبراير 2012 - 9:51

[color=blue](5)
لم يبق سوى شهران.. وأغادر الجميع إلى المدينة مرة أخرى. آه يا صديقي كم أنا مسرور.. وحزين أيضاً.. مسرور لأنني سأغادر " مقبرة الموتى "هذه، وأرى مدينة الأحياء من جديد، وحزين لأنني سأغادر فتاة الجبل السمراء.. وأقسم لك أننا لم نتعد مجرد الأحاديث في البداية. لقد كان كلانا خائفاً من " أفواه الموتى " التي لا تصمت والتي تصنع كل يوم قصة جديدة لتجدد أحساسها بالحياة.. على حساب آلام الآخرين. أن الحياة عند هؤلاء الناس هي في موت الآخرين وأن الطيب لديهم هو من يسرقهم ويضحك على لحاهم البيضاء الوقورة. دعني أقص عليك حادثة بسيطة.. أضحكتني .. وآلمتني معا..
كان ذلك منذ شهر حين توقف الأمطار فجأة وبدأت البراعم الخضراء تذبل.. وتصفر.. ثم يبست معظمها. وهلع الناس لتلك المصيبة التي حلت بهم وامتلاء المسجد ذات يوم بكل سكان القرية يصلون.. ويدعون.. كأن صلاتهم ودعواتهم .. ستنزل عليهم المطر. ولكن مضى أسبوع ولم تفد الصلاة. واجتمع ذوو الدقون البيضاء الطويلة والمسابح " الكهرمانية " الغالية ليقرروا قرارا هاما إزاء اصرار الأمطار وعدم نزولها. وقرر الجميع وسط بكاء النساء وضحكات الأطفال الذهاب إلى الاكمة.. مكاني الصامت الهادئ المقدس.. والصلاة هناك ونحر ضحية لله لينزل الأمطار من " بحر القدر ".. وذهبت الضحية إلى بطون الأطفال ولم تنزل الأمطار وابتدأ الهمس حتى وصل إلى سمعي. أنهم يقولون أن " نعمان " هو السبب في عدم نزول الأمطار. وخفت في أول الأمر.. ولكن القضية تافهة فلم أعرها التفاتا. ولكن فتاة الجبل السمراء قاطعت الاكمة.. لقد شعرت أن الأمر يعنيها أيضاً. ولكن بالرغم من ذلك لم تنزل الأمطار وأحسست بالشعور يملأني فرحا وأنا أرى هؤلاء الناس يولون بل وتصفر وجوههم.. وأفرح أكثر لمرأى الخوف البادي على تصرفاتهم. ولكني شعرت ذات يوم بأن المأساة تخصني.. حتى وإن كنت بعيدا عنها. وذلك حين عدت من " الاكمة " ورأيت زوجتي تبكي في أحضان أمي.. التي بدأ بصرها يكف أكثر وأكثر وسمعت أبي يحدثها قائلاً:
-لا فائدة منهم أن طلعوا رجال.. فليفيدوا أنفسهم.. أما أنا فسأموت غدا.. ولا أحد سيذكرني.. وأرى أن موتي أمر محقق أن استمرت الحال علي ما هي عليه. وأجابته أمي والدموع تتساقط من عينيها الكفيفتين قائلة لهم: الله ولا كأنهم يعرفوننا .. وسمعت صوت زوجتي ولكنه كان رقيقا هادئا.. كأنها لا تتكلم ولكن تبكي.. ولم أسمع ما قالته.. وصمت الجميع حين أحسوا بقدومي.. وماتت الكلمات وكدت أصيح فيهم:
-لماذا تتوقفون؟؟ استمروا في أحاديثكم.. ألعنوني.. ألقوا جام غضبكم علي.. اطردوني .. أنني لا أريد أن أعيش معكم..
ولكني لم استطع.. لأن الحزن كان قد بدأ يحتل مكانا في قلبي.. وخفت على نفسي أن انهزم لأن مشاركتي لهم في أي أمر معناه انهزامي وهذا ما أرضاه لنفسي.
المهم لم تسقط الأمطار طوال شهر كامل.. وشعر الناس أن المأساة قد أصبحت حقيقية وأنه لا مفر منها.. وهنا ترى الجشع يظهر لأول مرة.. فهؤلاء الناس الذين كانوا بالأمس أصدقاء يعيشون.. ويتحدثون ويصلون قد انقلبوا إلى أناس لا يعرف بعضهم بعضا. لقد كان كل واحد منهم يخاف أن يطلب منه الآخر نقودا لشراء حبوب لأسرته.. أو يسلفه قليلا من الحبوب المخزونة لديه. وصارت الأفواه التي كانت تنادي بالتعاون ضد الزنادقة والمارقين أمثالي، تنادي الآن بأن يجنبها شر كل الناس. آه لكم كنت أحب أن تكون هنا في القرية لعلك ترى كل ما دار وما سوف يدور. تصور أن والدي ذهب يطالب بعض الناس دينا كان عليهم فأنكروا.. بل أشد من ذلك أن شيخ القرية ذلك الحاج الذي زار بيت الله الحرام أكثر من مرة أنكر جميع النقود التي أرسلت معه من المهاجرين بقريتنا.. والتي هي مرسلة بواسطته إلى زوجاتهم وأولادهم. أن هناك عشرات غيرها من القصص.. التي تضحك وتبكي معا. لقد أراد والدي أن لا يجعلني عبء الأسرة وحدي فكتب لأخي أن يرسل له قليلا من النقود حتى يستطيع أن يواجه المجاعة التي سببها عدم سقوط الأمطار.. ولكنه لم يرد بكلمة.. وهكذا كان علي وحدي تحمل كل أعباء المجاعة لماذا؟ لا أدري.
أن كل ما جرى يا صديقي شيء بسيط. فمنذ أيام فقط.. رأيت رجلا في حلة بيضاء وعمامة كبيرة تحيط برقبته سلسلة كبيرة من المسابح اللامعة وفوق وجهه لحية بيضاء كثة وتحت قدميه حذاء غريبة اللون.. ولم يثر في حين رأيته سوى السخرية تجاه هؤلاء " الدراويش " الذين لا عمل لهم سوى التطفل على الآخرين. ولكن الذي حدث بعد ذلك بأيام كان مثيرا.. فقد ذهب ذلك الرجل إلى المسجد وأوهم الناس أن شخصا ما قد وضع فوق الاكمة " رسمة " فيها ورقة تمنع نزول المطر.. وأنه يعرف مكان هذه " الرسمة " أن دفع له مبلغ معين من قبل الجميع.. وكما تعرف وافق الجميع بدون تردد وكان الجميع مؤمنين بأنني أنا الذي وضعت تلك " الرسمة " فوق الاكمة لترددي الكثير عليها وشعرت أن المسألة تمس كرامتي أنا أكثر من الآخرين.
وبد أيام قاد الرجل جميع سكان القرية إلى الاكمة حيث طلب من الجميع أن يصلوا ويطلبوا من الله الرحمة. وبعد انتهاء الصلاة رأيته يتمتم بكلمات ثم أشار إلى أن يأتوا بشيء ما وتبينت أن ذلك الشيء كان خروفا أبيض اللون تماما. وقبل أن يذبحه كان شيئا في داخلي يدفعني.. فصرخت بالرجل:
-أنت كاذب.. ليس هناك شيء..
فنظر الجميع إلي في صمت ثم سمعت هدير الحاضرين.. ولكن الرجل ابتسم وهو يقول:
-أنا لا أكذب..
-أذن هل لك أن تخبرني كيف عرفت أن هناك " رسمة "؟
-الله يلهم من يشاء. وأشار إلى السماء في خشوع ثم سجد إلى الأرض ورأيت طرف عينيه وهي تنظران إلي في سخرية.. كأنه يقول:
-إنك لا تستطيع عمل شيء
وكان موقفه التمثيلي ذلك سببا في أن سجد الحاضرين.. ذب الخروف.. وشمر الرجل ساعده وبدأ يحفر .. ورأيت أنه يحفر بخطة مرسومة.. والجموع من حوله تنظر بلهفة خاصة الأطفال.. والنساء. بينما جلس الكبار يتمتمون.. وينظرون إلي بأطراف عيونهم.. وأخيراً أخرج الرجل من التراب شيئا ما.. وسجد بنفس حركاته التمثيلية وصاح:
الحمد لله.. الحمد لله .. أتى الفرج وضاعت صيحته وسط صيحات الناس الذين أدركتهم المفاجأة.
وضحكت في نفسي لأنني رأيت الرجل أمام عيني وهو يخرج تلك " الرسمة " .. وغمز لي منتظرا. ولم أستطع أن أجادله أمام هذا الجمع من الناس المؤمنين بكل ما يعمله.. ولكني تنحيت بفقيه القرية " الحاج جازم " وجعلت أناقشه في الأمر؟ قلت له: أنك رجل عاقل متعلم.. وأنت تعرف أن هذا الرجل يغش الناس ويسرق نقودهم.. هل يأمرك الدين يا فقيه أن تسايره فيما يقوله.
وهز الفقيه رأسه وأجاب: لا .. ولكن ما دام الناس يعتقدون ذلك.. فليس لدي حيلة..
-ولكن كيف تتركهم لنصاب..
-أنه يعرف ما يعمل.. ولا يستطيع أحد أن يناقشه..
-ولكن الأمطار لن تنزل لمجرد أنه أخرج شيئا ما من تحت التراب.. وأقسم لك أنني قد رأيته يدسها في التراب بعد أن أخرجها من جيب قميصه.. ونظر الفقيه إليه في حذر وقال: أنك تعرف ما يقوله الناس.. وأشار إلي محذراً..
ولكني أجبته بهدوء: إن كان الله يصدق كلام الدجالين فليس هو بإله.. وأنا أعرف تماما أن الأمطار لن تنزل.
وتركت الفقيه والناس والرجل يختلفون. ومضى اليوم الأول.. ولم تنزل الأمطار. وتبع الثاني وفي اليوم الثالث كان الرجل قد اختفى فجأة كما ظهر.. واختفت في جيبه أكثر من 100ريال.
ومضى الأسبوع وبدأ الناس يهمسون قائلين.. أن الرجل قد أخرج " الرسمة " من قميصه .. دون أن يراه أحد وبعد أسبوع ثاني كان الأمر حقيقة عند كل شخص في القرية.. ولكن بعد أن ذهبت الريالات في جيبه.
وهكذا لم تنزل الأمطار.. وازداد خوف الناس أكثر من ذي قبل وبدأ شبح المجاعة يعود إلى أذهانهم.. خاصة وأن مجاعة (1948) ما زالت ماثلة في أذهانهم.. ولم يزل الكبار يذكرون كيف كانوا يأكلون " العاص " وحده.. وكيف كانت حبة " الغرب " أغلى من الذهب. عادت الأمطار فجأة..
كان الوقت ليلا والقمر يرسل أشعته الفضية على قريتنا وعلى الجبال المحيطة بها فيصنع جمالا رائعا وهدوءا غريبا جعلني أحس " بالجمال " الحقيقي لطبيعة بلادنا. كنت جالسا أنظر إلى السماء وإلى القرية والجبال ذات المدرجات الزراعية البديعة الهندسة وبجانبي زوجتي تصب لي قحا من " القشر " وأشعة القمر تنعكس على وجهها الأصفر الضعيف.. فتبدو لي جميلة إلى حدود بعيدة وبدا لي ثوبها الأسود الحزين آية في الروعة والتناسق مع جسمها وأحسست أني أملك جمالاً نادرا.. لم أشعر بوجوده من قبل. وبدون شعور وبعد أن غلبني سحر القمر والليل احتويتها بين ذراعي وقبلتها.. وأخذتها المفاجأة. فأنا لم أتعود أن أفعل ذلك. بل أنني لم أشعرها مرة واحدة منذ سنوات ثلاث بحبي لها.. فكان أن بكت. وشعرت بدموعها الحارة تلهب صدري.. وتدفئه معا وشاركتنا السماء في تلك الليلة وغمرتنا بدموعها. ونظرنا سويا إلى السماء ورأينا السحاب وهي تغطي شعاع القمر الفضي ثم وهي ترسل دموعها أكثر غزارة ولم نهرب.. ولكنا تعانقنا وتركنا الأمطار تعانق الأرض العطشى.. وتفعل ما تشاء.. وحين عدنا إلى غرفتنا كنا مبللين تماما.
يا صديقي.. أنني تائه.. لا أدري ما الذي أعمله. إن زوجتي ليست في جمال " فتاة الجبل السمراء ".. ولكنها بسكوتها وحزنها الدفين.. ووجهها الأصفر الضعيف تقلب حياتي رأسا على عقب. أنني أعرف أن حبنا القديم لن يعود إلى الحياة.. لأنه مات بعد زواجنا. لأنه كان مجرد رغبة عابرة انتهت. إن الزواج والحب في بلادنا.. ليسا سوى مجرد لعبة الرجل بالمرأة التي ليست سوى خادمة .. للأرض.. والبيت .. والزوج. إنها مجرد زهرة تتفتح قليلا ثم تموت.. حين ينهكها العمل. وكذلك هي زوجتي.. كانت ناضرة.. كزهرة.. فأصبحت الآن عودا يابسا. وأصبحت .. رغم أنها لم تتجاوز الخامسة والعشرين .. عجوزا .. كأنها على أبواب قبرها. إنها منهكة مريضة.. قل لي ماذا أعمل لكي أسعدها. أنها تحبني حبا حقيقيا عنيفا.. لا يعرف قيودا أو حدودا. لقد كانت تبكي فوق صدري ومياه الأمطار تغرقها وهي تردد أسمي نعمان .. نعمان .. نعمان. كأنه صوت موسيقي إلهي.. ذو نم رائع. وحين عدنا إلى غرفتنا كان شيئا ما في صدرها يثقلها.. ويسرها معا..
وكانت كأنها تغالب شيئا ما.. ولكنها أخيرا قالت لي:
-نعمان.. أن في داخلي شيء يتحرك.
ونظرت إلي في عذوبة كأن ذلك الذي في داخلها يدفعها إلى الابتسام.. والرقة.. ولم أستطع أن أخفي سروري فعانقتها .. وغمرتها بقبلاتي.. أنني حائر ماذا أعمل..؟؟ أنقذني يا صديقي .. أنني الآن فقط أدرك إنني لا أستطيع أن أكون مسئولا عن إنسان أنا السبب في وجوده.. ألا يكفي أنني أشقي في وجودي لأكون السبب في شقاء الآخرين.. ماذا أعمل؟؟ قل لي بربك.. الأمطار .. الأمطار .. لقد انقلبت إلى جحيم . كل ذلك التلهف والترقب .. والدعاء كله يا صديقي ذهب هباء.. إلا أن الأمطار لم تعبد الخضرة إلى البراعم التي كانت قد بدأت تتفتح فوق المدرجات. بل لقد حملت تلك المدرجات ورصتها بعضها فوق بعض وحملت الطينة السمراء إلى الوادي. لقد أصبحت الأرض الخضراء تسيل فوقها المياه. لقد خرب كل شيء وذهب تعب الأجداد في بناء هذه المدرجات.. ربما الأبد. بالأمس خرجت كعادتي إلى الدبل رغم أن مياه الأمطار لم تنقطع منذ أسبوع.. ووجدت الطريق قد أصبح كله بركاً.. من الطين الذي حملته المياه من المدرجات ووجدت الجبل رغم أن مياه الأمطار لم تنقطع منذ أسبوع.. المدرجات ووجدت الجبل قد تغيرت كل ملامحه.. فأصبح مجرد أحجار صماء لا حياة فيها. ووجدت أن فتاة الجبل لم تكن هناك. وعدت إلى القرية التي لم أرها منذ أسبوع.. منذ بدأت الأمطار لبعد منزلنا عن القرية كما تعرف. أتدري ما رأيت؟ كانت خالية.. حتى الأطفال لم يعودوا يملأونها حياة بضجيجهم.. ولعبهم. بل أنني رأيتهم جالسين في وجوم ينظرون ناحية الجبل الصغير.. حيث المنازل القيمة. واستمريت في طريقي.. ووجدت أن جميع سكان القرية تقريباً قد ذهبوا إلى تلك المنازل القديمة النائمة في حضن الجبل الصغير. وأسرعت أنا أيضاً إليها. وسألت بعض من قابلتهم.. فقيل لي أن هناك منزلاً قد انهار بالأمس.. بفعل الأمطار. فالدار الذي انهار ليس فيه رجل واحد. إنهم كلهم في الخرج.. كمعظم منازل قرى بلادنا. هناك حول الدار المنهار رأيت النساء يبكين.. وجلس الشيوخ فوق عدد من الصخر يدعون "الله" أن ينجي المدفونين تحت الإنقاض.. وكان هناك خمسة رجال فقط "هم كل من تبقى في القرية" يعملون في شق طريقهم تحت الانقاض إلى سكان الدار. وكان منظراً بشعاياً صديقي أن أرى إنساناً يدفن تحت نظري.. بدون اختياره.. وخاصة إذا كان هذا الإنسان امرأة.. أو طفلاً. كسكان هذا الدار..
ووجدت نفسي قد حملت فأسا وجعلت أزيح الأحجار والأخشاب مع الآخرين دون أن يكلمني أو يلتفت إلي أي من الآخرين. وأقول أن هناك عدد من النساء عملن معنا ذلك اليوم أكثر مما عمل الرجال. لقد كنت أظن أن النساء ماهرات في جميع الأعمال ما عدا الإنقاذ. ولكنهن خيبن ظني. أما لماذا عملت مع الآخرين؟ فهذا ما سأقوله لك الآن. إن الذي دفعني إلى ذلك ليس عملاً إنسانياً أحسست به فجأة.. بل لأن ذلك الدار الذي انهار يا صديقي هو دار "فتاة الجبل السمراء" تصور تلك الجمال الإلهي وهو مدفون في داخل حفرة.. وقد تهشم كل ما هو جميل فيه. كلا.. إن مجرد تصور ذلك الآن أمر مفزع. إن مجرد سماعي إنها كانت في الدار حين انهار.. خلق في اخلي جديداً لا أعرفه. كان مزيجاً من الخوف.. والأمل.. وعملت كما لو أنني لم أعرف العمل من قبل حتى إن سكان القرية.. أكبوا عملي في ذلك اليوم.. ووصفني البعض أنني بطل.. لأنني أيضاً أنقذت رجلاً من الخمسة زلت قدمه.. وكاد أن يدفن حياً.. لولا أن سارعت بجسمي القوي وتلقيت الكتل الخشبية التي كانت تستعمل في حمل أسقف الدار.. وكان العرق يتصبب مني رغم مياه الأمطار والأوحال التي كنت أغوص فيها إلى متصفي.. المهم.. لم يخرج من تحت الانقاض إنسان حي.. أما فتاة الجبل السمراء.. فقد كانت مشوهة حتى أنني لم أتعرف عليها.. لولا أنها كانت المرأة الثانية في الدار. وكان رأسها الجميل ذو الخدود السمراء.. المحمرة والعيون السوداء الكبيرة والشعر الغزير.. كل ذلك كان قد تهشم تحت صخرة كبيرة. وانجست الدموع ولم أستطع أن أبكي.. رغم أن كل شيء كان يدعو إلى ا لبكاء. لعله التعب أو المنظر نفسه.. آه يا إلهي ما أبشع ذلك.
ودفن الجميع صباح اليوم. وسرت في الجنازة رغم أنني لم أنم بالأمس.. فقد استعدت كل ذكرياتي مع "فتاة الجبل السمراء".. كان لقاؤنا بعد تلك الابتسامة الساخرة ـ التي ألفتها على حين كنت ألعب تحت مياه الأمطار ـ بأيام. وجدتها في نفس مكانها.. وقد بدت في أجمل صورها.. نعم يا صديقي كانت في ذلك اليوم جميلة إلى أبعد الحدود التي أتصورها للجمال. ولكني لم أحدقها بل تركتها بعد أن ابتسمت لها ابتسامة كبيرة. وتعددت لقاؤنا.. وتعدد مع لقائنا.. اهتمامها بنفسها. فكنت أراها كل يوم أجمل من اليوم الذي قبله. وذات يوم.. وكانت الشمس ترسل أشعتها الذهبية في حنان.. والزهور الصفراء تتفتح مع تفتح أشعة الشم.. وغناء عصافير صغيرة من فوق الأشجار بثمارها الناضجة.. تحدثت إليها.. كان عادياًً.. ولكن كان فيه انجذاباً.. ما.. سألتني قائلة:
كيف حال "هند"؟
قلت لها بحياء ـ صدقيني.. كان جمالها يخيفني.. ويشد لساني ـ
إنها بخير..
لقد سمعت أنها تنتظر مولوداً. ونظرت إلي نظرة فيها معنى كبيراً.. لم أدركه.. تسخر.. أم تتهمني بعدم اهتمامي بزوجتي؟؟
لم تخبرني بذلك.. ولعلها مجرد إشاعة.
ولكنها أخبرت جميع النساء في القرية..
وركزت نظرتها أكثر بحيث كنت كلما حاولت أن أنظر إليها أجد عينيها ترشقاني بنظراتها النارية.. وأكملت قولها:
لعل بينكما شيئاً؟..
كلا.. ليس هناك شيء.
لماذا تحاول أن تكذب.. إن الجميع في القرية يعرفون ذلك.. لماذا لم تعد تحبها..
وأحسست بأنني تلميذ صغير أمامها.. وأنني لا أستطيع أن أحبها.. وبسرعة حولت الحديث وجعلت نفسي أنا السائل وهي المجيبة. قلت لها بدون أن أعير سؤالها اهتماماً وكأنني لم أسمعه.. متى يعود زوجك؟
وخضت وجهها نحو الأرض.. وهي تجيب.
لا أدري..
ألا يكتب لك؟
كلا..
ألا تكتبين له؟
إنني لا أعرف أين هو حتى أكتب له.
ومن أين تأتيك المصاريف إذان؟
يرسل أخي لي أحياناً بعض النقود..
لابد إذن أن حياتك صعبة نوعاً ما..؟
وابتسمت.. لماذا تظن ذلك..؟
وهززت كتفي دون أن أجيب..
واستمرت تنظر إلى الأرض.. وتابعت..
إن حياتي ليست صعبة.. فأنا أعمل.. في الأرض وفي البيت.. وأجد لقمة العيش... دائماً.. كذلك أجد ملابس من أخي.. أو من والدي.. أما زوجي فأنا لم أعد أهتم به.. لأنه لا يهتم بي..
لماذا لا تطلبين الطلاق...؟
إن ذلك ليس بسيطاً.. لأن الأمر ليس في يدي. وهو ليس بالبساطة التي قد تتخيلها.
وعرفت ما تعنيه..
واستمرت علاقتنا.. نتقابل كل يوم ونتحدث.. وأخيراً كان ذلك الكهف ـ الذي عرف جزءاًِ كبيراً من أيام صبانا حين كنا نرعى ـ كان مكان لقائنا. وتمتعنا بالحياة. أقول لك الحق أنني شعرت بالمتعة الحقيقية مع هذه الفتاة أكثر مما عرفتها مع غيرها حتى زوجي. كنت يا صديقي امرأة محرومة مع زوجها منذ سنوات. وأنا لا أجد ما أريده في المنزل. زوجي في عملها منذ الصباح حتى المساء.. وأنا عمل لي منذ الصباح حتى المساء. وهكذا وجدنا أننا نستطيع أن نهب بعضنا السعادة. لقد كانت بداية علاقتنا.. علاقة بريئة.. ولكن لماذا لا تستعمل الفرصة.. وتتمتع. هل هناك مانع.. في داخل أنفسنا.. لكن كنا خائفين في البداية.. ولكن خوفنا تلاشى عندما أدركنا.. أنا سعادتنا هي فوق كل خوف..
والآن يا صديقي.. ماذا أعمل؟ سوى أن أذهب إلى ذلك الكهف الذي ذقت فيه أروع أنواع المتعة.. وأذرف الدموع لقد ماتت.. وياليت موتها كان موتاً عادياً.. بل لقد سلبها الموت أجمل ما فيها.. جمالها يا صديقي. الآن لو عرف سكان القرية علقتنا.. لقالوا إن الألة انتقم منها.. ودفنها تحت انقاض دارها.. أما أنا فإنني ألعن الأمطار في كل ساعة. وكل دقيقة.. لأ،ها سلبتني المتعة.
لقد عاد الفراغ من جديد.. أرجو أن أجد مخرجاًَ منه.. في العمل.. في الحقل.. أو في أي شيء. خاصة وأنني قد طلبت إطالة إجازتي حتى أستطيع أن أساعد والدي.. في بناء أرضنا من جديد.
عاد الجمال من "عدن" بالأمس وحمل معه أخبار كثيرة.. إضرابات العمال.. والمظاهرات التي قام بها سكان المدينة ومقتل طالب في السادسة عشرة من عمره في إحدى هذه المظاهرات.. وتزول قوات إنجليزية جديدة في المدينة.. وغيرها من الأخبار التي لا اهتم لها كثيراً. ولكنه حمل معه أيضاً رسالتين.. منك.. ومن "الصنعاني"
إن رسالتك كانت رائعة حقاً. وأظنها ستكون مساعدة على جلوسي في القرية أكثر مدة ممكنة. أما الصنعاني.. لم أكن أتوقع أن أجد منه رسالة.. خاصة وأنه لم يكتب لي منذ مغادرتي "عدن" نه يقول إنه متشوق إلى لقائي. لعنة ا لله.. نه منافق كبير.. كما تعرف. لقد فصل من عمله بسبب الإضراب الذي قام به عمال الميناء الشهر الماضي.. وكان هو من المحرضين على هذا الإضراب. إنه كما تعرف رجل فوضوي.. لا يهتم بشيء ما في حياته.. سوى النوم.. وأكل القات.. وشرب الخمر في حافة اليهودي. إنه الآن ينافقني وأظن أن بينه وبين أخي "سيف" سوء تفاهم لأنه يمتحني كثيراً. وأنت تعرف موقفه من قضيتنا أنا وأخي.. وإنه كان من الواقفين في صفة لأنه أحد أفراد مجموعة "سيف" ا لتي تقضي سهراتها الحمراء معاً.. في "السيسبان" عند "فاطمة".. خاصة بعد أن اختطفها أخي مني..
أه كلما تذكرت ذلك التهب نفسي.. لقد هزمت في تلك المعركة. لا لشيء.. إلا لأن أخي كان يملك مبلغاص من المال لم أملكه أنا.
لماذا أتذكر الماضي.. دعني أستمر في وصف الحاضر.. لقد بدأت الأمطار تقل تدريجياً.. لكن تهدم المدرجات الزراعية لا يزال مستمراً. فبالأمس تهمد أكثر من خمسين مدرجاً الواحد تلو الآخر. وأصبحت الأرض.. التي بجانب الجبل من الناحية الشرقية الوادي.. بعد أن جرف السيل الذي نزل من قمة الجبل كل الطين الموجود في المدرجات.. وأصبح الآن العمل لا ينقطع.
لقد عاد "محمد مقبل" من "عدن" بعد أن سمع أخبار الأمطار ولكم سرني ذلك لأن وجوده بجانبي يساعدني على تحمل أيامي في القرية. ولو أن هذا العجوز سيكلفني يومياً صمن "قاته" و "تمباكه". غلا أن سيمتعني بأخباره ومغامراته. إنني لم أنس بعد أيامنا في "مقهاية الحاج علي" وهو يحكي لنا اشتراكه في "حرب الحبشة" مع ا لإيطاليين. إن هؤلاء المغامرين.. ممنعون حقاً. لو كنت تراه بالأمس.. لقد كان يضحك من كل شيء.. رغم أن كل شيء يدعو للبكاء. لقد أخبرني بأن أخي "سيف" أصبح هذه الأيام يذهب إلى العمل كثيراً حتى أنه قد يفصل. وأن فاطمة" قد استحوذت على كل ما يملك.. نقوده لها. لقد أصبح سبه. أما زوجته فقد عادت مرة أخرى إلى منزلنا بعد أن نفذ كل ما كانت تملكه من حبوب. عادت مع إبنها الصغير.. واستقبلها أبي بدموعه. لقد بدأ منزلنا يترك صمته. ولكن بعد أن حدثت المأساة.
أن محمد مقبل يعيش معنا في المنزل.. فأنت تعلم أنه لم يتبق له أحد من أهله بعد أن ماتت زوجته ـ وهو الحرب ـ وهاجر ابنه الوحيد بحثاً عنه. ولم يعد.. واستولت الحكومة باسم الوقف على كل أملاكه. أما داره فقد تهم.. إنه ينفعنا كثيراً فهو لا يسأم العمل مطلقاً. إني لا عجب كيف أستطاع أن يحبس هذه القوة العملية الخلاقة مدى عشر سنوات ي "عدن" بدون عمل.. إنه يبتسم كلما سألته عن ذلك ويجيب.. قائلاً: "نحن لا نعجز أبداً.. انظر إلى هذه القرية.. إن أجدادنا هم الذين حملوها إلى هنا في هذه المدرجات وهي رغم السنين الطويلة.. ما زالت شابة.. تنتج كل عام.. فلما تريدنا نحن أبنا هذه التربة أن نعجز. أنه ما زال فيلسوفاً كما أعرفه..".
لقد بكى والدي بالأمس.. وجعل يشني إليه. إنني في نظره قد خلقت من جديد. وكانت زوجتي تنظر إلينا.. وهي تبتسم من خلال دموع الفرح النازلة من عينيها. آه كم هي الحياة جميلة يا صديقي.. حين تعمل لقد كنت غبياً من قبل. ولكن هذه الشهور الثلاثة في القرية أعادت إلى شيئاً من الأمل ماذا أقول لك يا صديقي هل أقول أن موت "فتاة الجبل السمراء" قد هزني من أعماقي. كانت جميلة.. وكنت أؤمن أن ا لجمال لا يموت. ولكنه مات. ووجدت أن الأشياء التي أومن بها تتحطم.. الواحدة بعد الأخرى. ذهبت مني "فاطمة" اختطفها أخي. واختطف القدر مني "فتاة الجبل السمراء" فلابد إذن أن أنتقم من ا لاثنين. بأن أعمل أن أعيد ما حطمه السيل.. أن ابني أرضنا من جديد.. ,أن خلق في قلب والدي املاً جديداً.. بأنني أعظم من أخي. دعه يموت هناك المدينة.. دعها تحطمه.. إنها تنتقم لي بدون أن تشعر. آه يا "فاطمة كم أنت جبارة.. حطمية لا تتركي منه شيئاً..
آه يا عزيزي لماذا تراني أكره أخي كل هذه الكراهية. أفتاه تصنع كل ذلك؟ . أن "محمد مقبل" يقول لي دائماً "بأنني لقد مارت الحياة أكثر منك.. وأنا أعرفها.. إنها غدارة.. فلا تؤمن لها.. بل لابد وأن ننتزع منها المبادرة" كيف استطيع أن أن أتحدى القدر.. نعم لقد وجدت الوسيلة.. أن أكر القدر.. أن لا أؤمن بأن هناك قدر. هكذا سأنتصر عليه. أن "محمد مقبل" يمثل المرأة بالحياة.. إنه يقول "إن الحياة غدارة يا بني. والمرأة كذلك فهي تبتسم لك دائماً.. ما دام في يدك شيئاً. أما حين تكون فارغة.. فلا تنتظر منها سوى بصقة على وجهك: إنه على حق في نواح ولكنه مخطئ.. خذ مثلاً زوجتي.. مهما عملت لها.. فلن تبصق في وجهي. لماذا؟؟ لا أدري.
(10)
وأخيرا سأودع القرية .. لدي ساعات قليلة قبل أن يحل الليل.. ففي الغد سأكون في السيارة في طريقي إلى " عدن ". أترى يا صديقي سأجد الحياة كما تركتها. إن "محمد مقبل " لا يريد أن يعود. أنه يبتسم لي دائماً ويمد يديه إلى الأمام ويتنفس بشدة ثم يقول:
" أتريدني أن أترك كل هذا النعيم.. هذا الهدوء الملائكي لأعود إلى ضجة الشمس.. إلى الماخورة. كلا .. إن المسجد سيكون مكاني المفضل.. سأعمل.. وسأعيش.. وسأموت.. في هذه القرية لن أتركها بعد الآن. لقد آمنت إن الإنسان يجد الهدوء في آخر حياته ".
وهكذا ترى أنني لن أجد في " مقهى الحاج علي " سوى الصنعاني وقد أجد أخي " سيف" كذلك . وسأحاول أن أكون طيباً معه. لأن الأشياء التي رأيتها هنا في قريتنا تحتم علينا أن نتحد. وهذا العام الذي مات فيه كل الزرع..
وأصبح الخراب شيئاً حقيقياً والمجاعة شيئاً حقيقياً، يجب عليه أن يشاركني في تحمل أعباء الأسرة.. أو على الأقل في تحمل أعباء أبنه وزوجته.
لو ترى الخراب الذي عم هذه الأرض.. لامتلأت عيناك بالدموع ولرثيت لحالة هذا الشعب.. الذي أنهكه كل شيء حتى حكومته. تصور.. وصل بالأمس إلى قريتنا أكثر من عشرة " عساكر " من " العكفة " مع " جابي الضرائب ". وطلب من قريتنا ضرائب هذا العام.. بل أنه طلب ضرائب الأرض.. وإنتاجها. أتتصور ذلك.. الناس لا يجدون نقوداً لشراء حبوب تقيهم عامهم القادم كله من المجاعة والحكومة تطالب بضرائب زرع لم يجنوه.. وضرائب على رؤوس ماشية جرفها السيل ذات يوم.
آه لقد نسيت أنني لم أقص عليك هذه الحكاية من قبل، ففي يوم من أيام الشهر الماضي خرجت الأغنام والماشية مع صغار أطفال القرية إلى الجبل يرعوها خاصة وأن الجو كان صافياً نوعا ما.. ولم يكن هناك دليل على أن الأمطار قد تسقط. وغرهم الجو وجمال الوادي.. وخاصة وأن هناك بركة كبيرة صنعتها الأمطار. فنزلوا مع أغنامهم وماشيتهم إلى الوادي.. وذهبوا إلى البركة يلعبون ويسبحون. كان كل شيء عاديا.. الأغنام في وسط الوادي حيث وجدت الكثير من الأعشاب بفعل الطين الذي حمله السيل من فوق الجبل والصغار في البركة يسبحون.. والسماء صافية.. والجو هادئ. وبدون مقدمة سمع الأطفال هديراً صاخباً يأتي من الناحية العليا من الوادي.. وخرج الصغار من البركة هاربين إلى كل ناحية من نواحي الوادي. ولم يكن هناك وقت كاف ليسرقوا الأغنام والماشية من داخل الوادي. وأقبل السيل.. وفي مقدمته كانت الأشجار والماشية.. بل والأطفال الذين خطفهم من القرى الأخرى ومن ضفاف الوادي العليا. وذهبت معظم حيوانات القرية. وكذلك أخذ السيل ابن " علي الزغير " وابن " مقبل الحاج "الذين كان من سوء حظهما.. ومن إحساسهما بالواجب أن بقوا يكافحون من أجل إخراج أغنامهم وماشيتهم من الوادي. فكان أن ذهبوا أيضاً مع السيل.. حتى ملابس بعض الصغار لم يرحمها السيل. فعادوا " عرايا " يرتجفون من البرد والخوف.. وكانت دموعهم لا تهدأ.. ورغم ذلك فقد ضربوا كلهم في بيوتهم لإهمالهم. لم يفرح الآباء لعودة أبنائهم أحياء.. بل أن حزنهم على فقدان الماشية كان أكثر من حزنهم حتى على أطفالهم.. لأن الماشية تعتبر الآن وفي هذا الوقت من أوقات المجاعة .. عصب الحياة الأول. وفقدوا سكان القرية لماشيتهم معناه فقدانهم الكثير من مقومات الحياة.
وهكذا ترى يا صديقي أن السيل .. والأمطار .. كانت لا تحمل الخير هذا العام. بل أنها كانت فظيعة.
بالأمس.. ودعت كل الأماكن العزيزة على نفسي " الاكمة " والكهف والجبل الذي تنام فوقه المنازل القديمة. ورأيت أثار الدار الذي تهدم.. وأسقطت دمعتين ومضيت إلى المقبرة. وكان ذلك بعد أن غربت الشمس وضعت على القبر وردة حمراء جميلة كانت تعشقها " فتاة الجبل السمراء "، فتاتي التي أخذتها الأمطار.. وتركتني أصلي من أجلها..
كل شيء هادئ الآن في القرية . الظلام يسيطر على كل شيء. ومن وراء الغمام يبدو وجه القمر ضاحكا.. مسرورا.. كأنه يقبل حبيبته. أرى أمامي المدرجات وقد بدأت تستعيد حياتها من جديد.. بعد صيف طويل .. شقي. وفي الجانب الآخر من السقف حيث أقف.. تجلس زوجتي تنظر إلي ولا تتحدث. أنها ما زالت صامتة كما أعرفها. ويدور في خيالي أمل.. في أنني قد أستطيع أن استقر في " عدن " هذا العام.. وأجد مكانا صالحا.. أخذ إليه زوجتي.. وأخلصها من عذابها .. الصامت. واسمع صوت والدي في " ألم " يستعجل أهل البيت في إنهاء ما قد أحتاجه في السفر.
أما " محمد مقبل " فقد انعزل هذا اليوم عني.. كأنه لا يريد محادثتي. لأن الوداع.. كما يقول صعب لا يتحمله. ولكن الحقيقة أنه يحاول أن يتركني وحيدا مع زوجتي. لعلنا نستطيع أن نتحدث بهدوء ونتساءل فيما نتحدث..؟ فلا أجد جوابا. كل منا جالس في مكانه صامتا ينظر إلى الآخر ثم يبتسم لعلها ابتسامة .. كئيبة.. يضعها كل منا حتى لا تدمع عيناه.
وداعا يا قريتي.. وداعا يا زوجتي.. وداعا يا كل أحبابي لن أنساكم .. مهما كان بيننا.. لأن المأساة الكبيرة تجمع بيننا.
أ:تب إليك الآن من عدن.. حيث الحر.. والفراغ. أكتب إليك بعد أن نجوت من الموت بأعجوبة. نعم.. كل شيء في بلادنا أصبح هذه الأيام يؤدي إلى الموت. الأرض.. الأمطار.. الجبال. الصحراء وكل شيء.
بعد أن ودعت القرية وغابت عن ناظري كان معي اثنان أبيا أن يتركاني.. حتى أصل إلى الوادي. زوجتي ومحمد مقبل. كم كانت زوجتي رائعة. لقد كنت أرى الدموع تكاد تخترق عينيها الجميلتين.. الحزينتين. ولكنها بابتسامتها تحيل كل شيء كئيب إلى جميل. وكان حقا كل ما رأيته وأنا أغادر القرية كئيبا محزونا. كانت الأراضي تبدو كعجوز.. تحطم كل شيء فيها وبانت الأخاديد على وجهها.. بشكل بشع. وكانت الأشجار الجميلة التي تغطي مدخل قريتنا قد تحطمت بفعل الرياح والأمطار فنامت على جانبي الطريق كجثث القتلى بعد معركة رهيبة. والمياه.. تشق طريقها وسط كل شيء.. حتى الصخر. إن النعمة الوحيدة للأمطار.. هي أن كل امرأة تستطيع أن تأخذ ماءها من أمام باب المنزل.. بدلا من الذهاب إلى البئر.
وكان " محمد مقبل " يسير بجانبي يحدثني عن كل شيء. وأصبحت لأول مرة استمع إلى نصائحه. لأن في صوته كان ينمو شيء جديد.. ينبئ عن الحزن.. والألم. كانت التجربة التي يعيشها في القرية.. قاسية. لكنها بالنسبة له كانت درسا لأنه أصبح أكثر جدية من ذي قبل. أنني أعرفه في عدن.. يعلق على كل شيء.. ويجعل الأشياء الكبيرة تافهة. كانت له تجارب وتجارب كثيرة جعلته يمارس حياته ببساطة. وكنت أضحك منه من قبل أما الآن فكان حديثه جذابا لا يمل منه الإنسان.
وحين وصلنا إلى الوادي كانت مياه السيل هادئة لأن الأمطار كانت قد بدأت تهدأ. وكان في أمكان السيارات أن تمر وسط الوادي.. وأن تعاود نشاطها. خاصة بعد أن توقفت تقريبا خلال فترة الأمطار الكثيرة. ورأيت في الوادي سيارة حمول كبيرة وقد انقلبت وغاص الجزء الأمامي منها في رمال الوادي وطينه وأصبح انتشالها أمراً صعبا.. لعدم وجود رافعات في بلادنا كلها.. لا في الوادي وحده. وإخراجها الآن يحتاج إلى أيدي عاملة كثيرة.. وصاحب السيارة لا يملك أجرا يدفعه لهذه الأيادي. وقد حدثني أحد الأشخاص الذين يعيشون على جوانب الوادي عن المآسي الكثيرة التي رآها. وخاصة هاتين الحادثتين اللتين أثرتا فيه كثيرا.. بكى من الأولى.. وضحك من الثانية. الأولى يا صديقي قصة رجل وطفليه. فتاة في السادسة.. وفتى في العاشرة تركوا منزلهم ليذهبوا إلى قطعة أرض يملكونها في الضفة الأخرى من الوادي حيث كان الوقت صباحا ومياه الوادي تترقرق هادئة.. حالمة.. وأشعة الصباح تغمر الكون.. بلونها الهادئ. ولكن الحال لم يكن كذلك في الشمال حيث كانت الأمطار تسقط بعنف.. وتتجمع المياه من الجداول الصغيرة لتلتقي أخيراً في وادينا الكبير. كان الوادي واسعا.. بعد أن جرفت المياه الأراضي الطينية التي كانت على جانبيه. ومر الرجل مع طفليه بالوادي وأراد العبور.. ولم يسمع صوت السيل الذي كان قد اقترب.. لأنه أصم. وقبل أن يصل الضفة الأخرى.. كان السيل قد بان في منعطف الوادي.. وكان أسرع من الرجل الذي أمسك أبنيه بين يديه وحال أن يجري. وتعثرت رجل ابنه الصغير فسقط وأبتلعه السيل. ووقف الرجل بابنته مذهولا من الصدمة. ورأى ابنه يصرخ ويرفع يديه.. ثم يختفي لتظهر رجليه. وقذف الرجل بابنته وخاض الماء لينقذ ابنه. ولكن السيل كان قد اختطف الفتاة أيضاً. وكانت مأساة.. أن تسمع الأبناء يصرخون بأبيهم.. والأب يصارع الماء أيضا ولم تنته القصة هنا. فقد مات الأب.. ومات أبناؤه. وسمعت الأم بالقصة فتركت كل شيء لتقذف بنفسها في السيل.. لعلها تحلق برجلها وأبنائها.
أما القصة الثانية.. فقد حدث في اليوم التالي حين كان الوادي ممتلئا. وكان قد قلب إحدى السيارات التي كانت في طريقها إلى " المصلى " تحمل " تنك " مليئة بالجاز. وحملت المياه هذه التنك معها. وكان على الشاطئ أحد " الأخدام " فرأى تنك الجاز تتدحرج فوق المياه. وكان لا يخاف السيل.. مثل كثيرين من " أخدام " بلدنا. فغاص حتى منتصفه يلتقط التنك ويخرجها إلى الضفة ويتركها.. ليعود يلتقط غيرها. وكان كلما ازدادت عدد التنك التي يلتقطها.. ازداد طمعا في أن يلتقط غيرها.. خاصة وأن سعر الجاز قد ارتفع لانقطاع الطريق بين " عدن " و " الداخل ". وقبل أن يتم العشر تنك.. كان السيل قد التهمه. فقد شعر الرجل بالتعب فلم يستطع المقاومة والتقطت جثته في " سوق السبت ".
(12)
عادت زوجتي.. بعد أن وصلنا إلى الوادي. وتابعت المسير أنا ومحمد مقبل لنصل إلى " المفاليس " لعلنا نجد سيارة مسافرة إلى " عدن " وكان محمد مقبل صامتا طول الطريق ينظر إلى المياه.. ثم إلى الأرض.. والسماء ويتمتم بكلمات ثم يسكت. وتابعت تمتمته حتى أدركت أنه يقول: " إلى متى هذا العذاب يا رب "؟ ولم يكن يعني بالعذاب نزول الأمطار.. ولكنه كان يعني العذاب الكبير الذي كان السبب الأول لشفائنا.
ولم نجد سيارة في " المفاليس " وكان علينا أما أن ننتظر إلى أن تأتي إحدى السيارات.. أو أن نتابع سيرنا حتى (سوق السبت) لعلنا نجدها هناك. ولكني شعرت أن محمد مقبل لا يستطيع مواصلة السير.. فانتظرنا. وكان محمد مقبل ينظر إلى " الجمرك " ثم يبتسم ويعلق ساخرا: " أنها زرية حيوانات ". ثم يشير إلى الحمير الواقفة أمام الجمرك.. ويقول أنظر.. أنها اكسبرس اليمن.. السريع.. ويقهقه وأقبل أحد الجنود إلينا ثم حيا محمد مقبل ومضى. ورأيت شعاع الغضب في عين محمد مقبل.. ثم بصق على الأرض. وسألته:
-هل تعرفه..؟
-لقد شرفني بمعرفته حين أقبلت من عدن.
واستمر يشرح لي الظروف التي جعلته يتشرف بمقابلة ذلك العسكري.
كنت قد تركت السيارة في سوق السبت. بعد أن عجزت عن مواصلة السير حتى المفاليس لوجود سيل قوي في ذلك اليوم. وكنت أحمل في يدي ملابسي القليلة وأبريق شاي كنت قد أخذته من عدن كهدية لك. وحين وصلت إلى المفاليس قابلني هذا العسكري وسألني: هل أتيت من عدن؟ وهززت رأسي إذ أنني كنت في غاية التعب. وحين أدرك ذلك تقدم مني وطلب أن يفتشني لأدفع الضريبة على ما أحمله. وشرحت له أنني لا أحمل سوى ملابسي وذلك الأبريق ولكنه رفض إلا أن يفتش وبدوري رفضت أن أسمح له. ونادى على زملائه العساكر.. حيث قادوني إلى بيت رئيس الجمرك فوق الجبل. وكنت متعبا جدا.. حتى أنني عندما وصلت هناك كنت أشعر بأنه سيغمي علي. ووقفنا أمام رئيس الجمرك الذي كان متكئا يمضغ قاته وأمامه " مداعة " كبيرة مزينة بأنواع من الرسوم. ونظر إلي باحتقار.. وأشار بيده إلى العسكري كأنه يسأل عن قضيتي. وأخبره بما حدث. فنظر إلي مرة أخرى ثم قال من وراء (القات) المحشي في فمه..
-لماذا لا تدفع له؟
وركز عينيه في وجهي وأعاد نفس نظرة الاحتقار. وأحسست بالكراهية تملأني.. وكدت أبصق في وجهه لولا أن العسكري كان واقفا خلفي..
-من أين أتيت..؟
-من عدن.
-ماذا تحمل؟
وأشرت إلى ما في يدي من أشياء..
-ألا تحمل غيرها؟
كلا..
-لماذا؟
وبحركة احتقار أجبته..
-لأنني فقير.. مشرد.
وابتسم ابتسامة نصر.. وهز رأسه مرات وهو يقول: أنكم دائما تدعون الفقر.. مع أنكم تملكون مال قارون.
وأجبته: نعم نحن لسنا فقراء.. بل أغنياء ولكن الآخرين.. والآخرين دائما.. يسرقوننا بأسماء كثيرة.. و.. لكنه قاطعني بأن أشار إلى العسكري أن يفتشني ولما لم يجد شيئا.. نفخ مأمور الجمرك الدخان من فمه بقوة ثم أشار إلينا أن ننصرف. إلا أن العسكري أوقفني.. قائلا.. أمام المأمور:
-حق العكفة يا خبير.. " الأجرة ".
واستعنت بالله في ذلك الوقت.. نهرب من الشيطان يظهر لنا عفريت. ولم أجاوبه لكنه بكل بساطة شدني والمأمور يتفرج على ذلك ولكني أيضا أصررت أن لا أدفع للعسكري أي شيء. وتدخل المأمور.. أمر أن أدفع للعسكري.. وابتسمت.. لكني في الحقيقة كنت أتمزق غيظاً. ونظرت إلى المأمور وصحت فيه.. لماذا أدفع له.. أنني لم أقل له أن يأتي بي إلى هنا. وقد أخبرته من البداية أنني لا أملك شيئا. ولكنه رفض وقادني إلى هنا أتعبني وأتعب نفسه. أن من حقي أنا أن أطلب بأن يدفع لي ثمن تعبي.. لا أن أدفع له أنا ثمن تعبي.. وتعبه. لكنه قاطعني صائحا:
-يا عسكري خذ الأبريق منه.
وبوحشية انتزع العسكري الأبريق من يدي ومضى..
وخرجت من بيت المأمور وأنا ألعن الأبريق.. العالم.. والحكومة وكل شيء.. حتى نفسي. لكني حين وصلت الجمرك.. رأيت عددا من العساكر يضربون أحد الفلاحين. كان قد رفض أن يعطيهم أجرتهم.. وحمدت الله على أن قضيتي لم تصل إلى الضرب. وهكذا تركوني خاليا. ولو لم يكن في يدي الأبريق.. لانتزعوا ملابسي من يدي.. بل لا استغرب أن ينتزعوا ملابسي هذه التي ألبسها.
وهز محمد مقبل رأسه وهو ينظر إلى العساكر.. بملابسهم المتباينة.. وفوطهم الممزقة. والبنادق القديمة المصدأ. والعمائم البيضاء والسوداء الممزقة. المبللة. والأحذية. والأقدام العارية التي يسرون بها. هز رأسه ساخرا.. جيش.. جيش بلادنا الذي يدافع عن حدودنا. قالها متهكما.. وأردف أن لهم الحق في أن يعاملوا الشعب هكذا.. لأنهم لا يجدون شيئا. وعلى كل واحد منهم.. أن يضمن لنفسه.. راتبه.. ويبحث عن لقمة عيشه.
وانطلقت بي السيارة تاركة خلفها محمد مقبل يرفع يده إلي مودعا. ورأيت الوادي خلفه وأشجار النخيل.. والجمرك رأيته يختفي ثم يتمدد الوادي أمامي من جديد.. بأشجار النخيل.. وأراضي زراعية مكسرة.. وجثث حيوانات على ضفتي الوادي.. وأشجار ضخمة.. حملها السيل منذ أيام. وكان صوت محمد مقبل يتردد في أذني: " أننا لا نستطيع عمل شيء لأنفسنا.. ولا لأرضنا.. ولا حتى لهؤلاء العساكر.. إذا لم نخلق من جديد.. نخلق كل شيء.. الناس. والأرض. والوادي. حتى أنفسنا. أننا لا نستطيع أن نعيش مع الحمير في حظيرة واحدة. ولا أن نعامل معاملة الحمير. يجب أن نجد لأنفسنا مفهوما.. وأن نعرف حقيقتنا ".
وانطلقت السيارة بسرعة. كأن ماردا جبارا يطاردها. وكانت ترتفع.. وتخفض. وتصطدم بالحجارة.. وتغوص في أوحال.. وبرك.. ثم تميل على جانبها. ويمسك كل واحد منا نحن الذين فوق السيارة.. قلبه.. ويتمتم البعض بالفاتحة.. وآية الكرسي. وتغيب الشمس وراء الأفق. وتترك خلفها خطا دمويا.. على طول الأفق البعيد. ويرتفع من جانبي صوت " الجروش بوي " الأسمر بأغنية يمنية.. حزينة. وألمح في عينيه.. قصته كاملها. بكلمة واحدة.. والمأساة. وترتفع مقدمة السيارة.. لتميل بعدها بكل قوتها إلى اليمين.. ونتساقط كلنا من فوقها.. كأوراق الخريف. وننجو من الموت بعد أن غرست عجلات المقدمة في حفرة كبيرة. لم يتبينها السائق.. إذ ظنها مجرد.. بركة.. صغيرة من الماء.
ويبتسم " الجروش بوي " –معاون السائق! وهو يختفي تحت السيارة ليعمل على رفع العجلات المدفونة في الحفرة. ويسارع بعضنا إلى مساعدته. ورغم ذلك يرتفع صوته القوي بالأغنية اليمنية.. الحزينة.
وتنطلق السيارة من جديد. بعد أن خلصت من فخها الأول.. لتقع في الفخ الثاني. ونتساقط من جديد. أن كل منا يصنع له مكاناً فوق السيارة.. بحيث يستطيع ببساطة أن يقفز حين تميل السيارة.. إلى أحد جانبيها. وننتهي من الوادي. الوادي الكبير.. حيث أحلام المئات قد دفنت. ويحتفظ الوادي بصمته.. وباسمه " وادي الصميته " لتستقبلنا خلفي.. إلى الجبال والمنازل المعلقة عليه.. والمدرجات الزراعية التي تبدو مخرومة في منتصفها. والجداول الصغيرة التي تبدو في شقوق الجبال فتنتهي أذني في صمت تلك الصحراء. هادئا. حنونا. كليالينا الصيفية فوق سطح المنزل. " نعمان. أنني أتمنى أن لا أموت. حتى أرى بلادنا هذه. كتركيا. أتمنى أن أرى الطريق مرصوفة وخطوط السكك الحديدية تخترق جبلنا. كتلك التي تخترق جبال الحبشة. وأرى السدود على وادينا هذا. وغيره من أدوية بلادنا الكثيرة. فلا يموت السيل ولا تضيع مياهنا في الصحراء. ولا يلتهم السيل أطفالنا وماشيتنا وأرضنا. أتمنى أن أرى بلادنا كبلاد الآخرين.. أتمنى أن لا أموت حتى أشاهد ذلك ". وكنت ابتسم له. وأشعر يا صديقي.. أن أمنيته هي أمنيتي. أمنية الجميع. ولكنني. لا استطيع أن أنسى نفسي. لأن لا أؤمن إلا بما أرى. فبلادي كما أراها ليست سوى " زريبة للحمير ".
ويكبر الوادي أمامي.. فجأة. فأخاله غولا.. كبيرا رهيبا.. فاتحا فاه.. يلتهم كل ما يتقرب من فمه. الناس والحيوان والإله. غولا أسطوريا.. بل إلها. لم يعرفه البشر. ويمضي الوادي.. بعيدا.. فيغيب عن ناظري.. وأشعر أنني تركت خلفي. أرضا.. غريبة انفصلت عني.. بمجرد خروجي من ذلك الوادي ولكن صمت الصحراء يحمل مرة ثانية صوت محمد مقبل..
" لا تنسوا أنتم.. أن هذه الأرض. لن تنفصل منكم مهما هربتم منها. إنها جزء منكم. تطاردكم. ولا تستطيعون منها فكاكا. انتم يمنيون. في كل أرض.. وتحت كل سماء لقد كنت مثلك.. أحاول أن أهرب من واقعي. حملت السلاح وقاتلت الناس.. ناس لا أعرفهم. ولا يعرفونني. ليس بيني وبينهم عداوة.. ولكني قتلتهم. قاتلت مع الإيطاليين وقاتلت ضدهم. كنت أبيع نفسي لم يريد شراء أداة لإطلاق الرصاص وكنت مستعدا أن أبيع نفسي للشيطان ما دام سيدفع ثمنا مرتفعا. كل ذلك يا نعمان. لأني أردت أن أنسى.. أنني يمني.. ولكن الحقيقة. هو أنني كنت أعمل كل ذلك.. لأنني يمني.. لأنني أريد أن انتقم. من الذين شردوني. ومزقوني وسرقوا أرضي.. أردت أن انقم منهم. ولكني أخطأ الطريق. أما الآن فأنا أعرف الطريق. ولن أخطئ. أن ما يؤلمني حقاً.. هو أنني أدركت الحقيقة متأخرا. لكني أحمل الأمل. في أنكم أنتم جيل هذا الوقت ستدركون الحقيقة.. سريعا. عد يا نعمان. ولا تهرب. سواء كنت في عدن أو في القرية. فأنت تمارس المأساة.."
وتغيب أشجار النخيل. حين تقطع السيارة طريقها إلى قلب الصحراء. ولكن الجبال لا تغيب. إنها تقف. كالمارد. كبيرة. مخيفة سوداء.. بعد أن غابت عنها الشمس. كأنها تذكرنا.. أنها موجودة فعلا. وإن في داخلها ذلك العالم الغريب المجهول. ومما يزيد من رهبتها يا صديقي سكون الصحراء. هناك في الشمال الجبال والضوء. والموت. والسيل.. وهنا. الرمال. والسكون. عالمان مختلفان. يؤدي الثاني إلى الأول.. ويهرب الإنسان من الأول عن طريق الثاني. الصحراء هي الطريق يا صديقي.. إلى الجحيم.. ومن الجحيم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الأحد 12 فبراير 2012 - 10:08


[color=blue](13)
وأخيرا. ها أنذا في " عدن " أتراني حصلت على حياة جديدة؟ كلا يا صديقي. فالأشهر التي قضيتها في القرية قد غيرت من نظرتي الآن؟ ولا أدري كيف حدث ذلك.
الحياة في عدن فقدت جمالها. وفقدت سحرها. لقد أصبحت الآن ميتة. أخي " سيف" كنت أحب أن أراه هنا ولكني وصلت متأخرا. فقد فصل من عمله. بسبب إهماله. وبسبب الإضرابات. ولم يجد بدا من أن يغادر " عدن " فسافر إلى " جدة " لعله يجد هناك حظا أسعد. ويبتعد عن " فاطمة " بعد أن انهكته. وقذفت به بعيدا وها هي ذي أصبحت الآن لي. ولكن احتقرها. وأكرهها. فإن الجمال الذي كانت تمتاز به كان فقط منذ سنوات.. حين كان الصراع بيني وبين أخي. كنت أريد امتلاكها لأنني لم أكن أريد لكبريائي أن تنهار. ولكني هزمت وانتصر أخي. وأنهار كبريائي. وأصبحت فاطمة مجرد امرأة عادية. بل أقل من عادية الآن. ولكني لا أنسى مطلقا أنها كانت امرأة ممتعة. وأنني وجدت معها المتعة.. أكثر مما وجدتها مع غيرها من النساء. ولكن القرية. القرية يا صديقي غيرتني و " فتاة الجبل السمراء " حطمت كل مقاييس المتعة التي كنت أمتلكها.. ففقدت بذلك أشياء كثيرة.. لا أظنني أستطيع تعويضها.
عدت إلى العمل.. وحاولت أن أدفن فيه كل طاقتي. لأنني أصبحت فجأة أشعر بمسئوليتي أمام العائلة.. لذلك قررت أن أنقص من مصروفي بقدر الإمكان لا سينمات ولا حانة ولا نساء. العمل. والعمل وحده.. ففيه أجد السلوى. وأدفن طاقاتي.
ولكن أتظن " الصنعاني " الذي استقبلني استقبالا عنيفا يتركني خاصة أنه بدون عمل. أنه يعزمني. كل يوم. بل أنه يعتمد أن يدفع كل شيء. ولكني أقفل الباب في وجهه فلا أترك له مجالا. سألني عن محمد مقبل وماذا يعمل في القرية وسألني عن أحوال القرية.. وحكيت له كل شيء وأنا متأثر. لكنه ابتسم. وهز رأسه.. وسكت. كأن الأمر لا يعنيه وحاولت أن أثيره.. بسردي الأعمال التي يقوم بها " محمد مقبل " فيهز كتفيه ويسكت. وفشلت ولم أجد إلا أن أصب عليه شتائمي.
أن سكان مقهى " الحاج علي " أصبحوا كلهم تقريبا بدون عمل. فقد فصلوا وتوقفت الأعمال في كثير من الشركات. وأسمع بعض الحكايات التي قام بها العمال.. ولكنك تعرف أن هؤلاء العمال ليس لديهم أي تنظيم حقيقي. يستطيع أن يقودهم.. ويحقق لهم أي انتصار. فذهب الكثيرون.. ضحايا.. للاضرابات.
(15)
كان عملي بالأمس شاقا. وحين عد إلي المقهى لا ستريح وجدت "الصنعاني" متكئاً فوق سريره.. يلوك الورقات الأخيرة من " القات " الذي أمامه. وينفخ من المداعه الصغيرة.. كان الظلام يغمر الغرفة كلها.. حتى إنني لم أستطع أن أرى السرر الخمسة الموجودة في الغرفة. ولكن لهب نار المداعة كان يلمع ثم يخمد وبدا لي الصنعاني في تلك اللحظة شخصا محاطا بالغموض. والأسرار. وفعلا فإن الصنعاني في كل حياته وفي كل تصرفاته شيء مغلق.. لا أحد يعلم ما في داخله. فهو رغم جلوسه في هذه القوة مدة تقرب من سنوات إلا أن نزلاء المقهى لا يعرفون عنه شيئاً. حتى أن البعض يشكون أنه من صنعاء.
ولم ألتفت له بل مضيت إلى سريري وارتميت عليه وأغمضت عيني. وبدأت الصور الكثيرة تتلاعب أمامي فلم أميز منها شيئا. وكان العرق يتصبب مني بغزارة. الغرفة خانقة. ويزيد من ذلك دخان المداعة الذي ينفخه الصنعاني. وتقلبت فوق سريري.. وشعرت بالضيق فانتفضت من نومي. وجعلت أنظر للغرفة من جديد. كانت السرر الثلاثة فارغة.. سرير أخي. وسرير محمد مقبل. وبقي سريري وسرير الصنعاني يعانيان يسعل قطع استمرارها ونظرت إليه. كانت عيناه الضيقتان تلمعان وسط الظلام.. وسقط شعاع ضعيف من النور أتى من الغرفة المجاورة على وجهه فرأيت لأول مرة التجاعيد مرسومة بوضوح على جبهته.. والشعر الأبيض بدأ يغزو فوديه. وشعر لحيته لم يعرف الحلاقة منذ أسابيع فبدأ كأشواك حادة.. أما أنفه فما زال يرسم في وجه الصنعاني معنى الغموض والحقد في الوقت نفسه. وبدت صور مخيفة تدور في داخلي.. من هو هذا الرجل؟؟ ما هي حقيقته؟ لماذا يحقد على الآخرين؟؟ بل لماذا يحقد حتى على نفسه؟؟ ما هو ماضيه؟.. وكانت الإجابات غامضة كالأسئلة نفسها.. بعينيه الضيقيتين وفتح فاه بكسل فتصورته كفأر مطعم. مخيف. وسمعت المداعة " تقرقر" والدخان يخرج من فمه وأنفه في تدفق. فيغطي كل شيء في وجهه.. وعدت إلى التمدد فوق سريري وحاولت أن أغطي وجهي.. وأنام.. ولكني لم أستطع.. فسمعت صوته يأتيني بهدوء قائلاً:
فيما تفكر؟-....
-هل تحس بالتعب؟
-نعم.
-لعله الضيق؟
-كلا..
-إذن فيم تفكر؟
رفعت رأسي قليلا ونظرت إليه..
-أفكر فيك.
هز رأسه وقطف رأس عود قات أخضر..
-هل تريدني أن أساعدك؟؟
-نعم. وأردفت كم عمرك؟
حك رأسه كأنه يفكر.. وأجاب.
-لعله أربعين..أو أقل قليلا.. أو أكثر.
-من أين أتيت؟؟
-لا أدري.
-أنني أسألك من أين أتيت؟؟
-وأنا قد أجبتك لا أدري..
-إذن أنت لا تريد مساعدتي..
-أنا لا أساعدك في تفاهات.
وأغمضت عيني ونمت..
كان الوقت ليلا حين تركت سريري.. وكان الصنعاني قد ترك المكان.. وأحسست أن التعب قد زال. فأخذت حماما باردا وخرجت إلى الشارع. كان الجو ما زال حارا.. ورأيت الناس يمضون بسرعة. وكانت السيارات تنطلق بسرعة أكثر. وأمام دار السينما القريبة رأيت الناس يتزاحمون للدخول.. وأصوات الباعة تعلو على أصوات المتزاحمين. وفي الناحية الأخرى من الشارع كانت أصوات ترتفع منادية على " الباصات " " شيخ شيخ " أركب يا حاج " معلا معلا ".. " تواهي". معلا " تواهي ".. فتختلط الأصوات بعضها ببعض.. فيخرج شيء ممزوج.. شيء غريب تفوح منه رائحة العرق.. والتعب.. يهدأ قليلا ثم يرسل صياحه من جديد..
ويمضي بي الشارع حتى الميدان.. وفي " مقهى زكو " جلست لأتناول كوبا من الشاي.
كان الميدان أيضا مزدحما.. تفوح رائحة الأطعمة من أحد المطاعم القريبة من المقهى.. وصوت بائع الحلوى يرتفع وينخفض مرة أخرى مناديا على حلاوته. ومن بعيد يرتفع أصوات المنادين لسيارة الأجرة .. تاكسي. تاكسي.. هيا أركب.. نفر واحد.. هيا المعلا.. التواهي بشلن.. بنصف شلن المعلا.. الشيخ. الشيخ.. وتختلط الأصوات التي تأتي من الخارج بالأصوات الكثيرة التي تحدث حولي.. فأغيب في دوامة.. فلا أشعر بشيء .. سوى.. الدوار.. ودقات عنيفة في الرأس. فأترك المقهى قبل أن يأتي ما طلبته. أين أذهب؟ الفراغ كله.. يحوطني.. فلا أجد غير " شارع السوق " .. " غدا الأحد.. واليوم أستطيع أن أسهر حتى الصباح". فألتفت مسرورا حين توصلت إلى هذه النتيجة. ولكني أجد نفسي فجأة وحيدا.. في الشارع والسيارات والناس.. والأصوات.. كلها سريعة.. حتى أنا.. كنت أجري كالآخرين.. ووجدت نفسي فجأة أمام " حافة اليهودي " ودفعتني قدماي إلى الداخل.. وهناك وجدت الصنعاني فأبتسم وهو يراني وأشار إلي أن أجلس معه وحين جلست اتسعت ابتسامته وقال:
-وأخيراً.. تغلبت على نفسك.
-كلا.. فالقلق هو الذي قادني إلى هنا.. لم أكن أدري أين أسير.. فوجدت نفسي هنا.
-أن ذلك خير لك..
وهز رأسه في انتصار.
-نعم خير لك أن تعود إلى ما كنت عليه. لقد كنت فقد الأمل في أن نعيد ماضينا ولكني الآن عرفت.. أنك لم تتغير.. وأن ما حدث لك في القرية ليس سوى مجرد انفعال.. مات حين واجهت الواقع.
-لا تحاول يا عزيزي أن تدفعني فإنني حقا أشعر أن هناك تغيرا.. فساعدني في أن أتغير.. لا على أن استمر في الماضي التافه.. وضربت المائدة أمامي بقوة جعلت أقداح الخمر تهتز بقوة.. ونظر الصنعاني حوله.. ثم قال:
-لا تجعل الناس يظنون أنك سكران.
-وماذا أعمل إذن هنا.. إذا لم أسكر. أنني أريد أن أنسى. أفهمت. أنسى نفسي. وعالمي. وأنساك أيضا. من أنت.. من أين أتيت.. ما أسمك.. ومن أنا. ومن أين أتيت وما أسمي؟ كل هذا أريد أن أنساه.
-أشرب إذن لعل الخمرة تنسيك.. ولكن تذكر إنها لن تنسيك إلا مؤقتا.
وشربنا.. أحسست أن طعمها كان كريها.. وكنت كلما شربت كأسا. أشعر بالغثيان.. واختلطت الأصوات التي تنبعث من داخل الحانة مع أصوات أبواق السيارات المنطلقة.. في الخارج. وكان الجو خانقا.. والدخان ينبعث من لفافات السجائر فيزداد جو الحانة اختناقا. ويتردد صوت صغير حبيب يزداد وضوحا كل لحظة.. ومع كل كأس.. هو صوت محمد مقبل يقول: " إننا كلما مارسنا الحياة اليمنية أدركنا عمق المأساة. ولكن كلما تهربنا زدنا من المأساة وعمقنا جذورها. ووهبنا لها حياة أخرى. لكي نقضي على المأساة .. يجب أن نعرف أنفسنا".
وحاولت أن أعرف هل أجد حقيقتي في هذه الحانة ووسط هؤلاء الناس. والدخان.. والكؤوس.. وسمعت صوت الصنعاني وقد بدأ يسكر: لماذا تحاول أن تعود كئيباً.. فتفقد لذة الحياة.. تمتع يا بني.. واضحك. وإلا فإن باب الحانة مفتوح فأخرج إن أردت.. وأجبته وأنا أحاول أن أتمالك نفسي..
-لماذا لا تفكر.. إن استمرار حياتنا بدون هدف.. لا جدوى منه.
-من قال أنه ليس لحياتك هدف.. أنك تعمل لتأكل وترسل نقودا لأهلك.. ثم تتمتع إن شئت.
-هل هذا هو " هدف " مشرف أن أعمل لأكل. وأعمل لأطعم الآخرين. إن المشكلة ليست بسيطة ولكنها تبدو لك أنت كذلك.. لأنك لا تعرف المشاكل ولا تعرف في حياتك سوى الأكل والنوم والسكر.
وقهقه كعادته.. وطلب مني سيجارة.. ثم مضى يدخن سيجارته دون أن ينظر إلي..
-أنا لا أعرف الحياة. أنك تظلمني يا بني.. أن حياتي ليس فيها أي تشوق.. لأنها مثل حياة كل يمني ولكني أكرهها ونظر إلي هذه المرة بحقد.. وتفتحت عيناه الصغيرتان. نعم يا بني أن الإنسان حين يكره شيئا ما كراهية مطلقة.. يكره نفسه أيضا. حاولت أن انتقم لنفسي. من الذين صنعوا مأساتنا كلنا.. ولكني لم استطع إلا أن انتقم من نفسي لأني فكرت في أن أعمل وحدي.. وانتقم وحدي.. ليس هنا قوة " .. وضرب المائدة بيديه " سوى قوة الجوع وأنا وأنت والآخرين ومن المؤسف أن أدرك ذلك مؤخرا.. و.. وقاطعته قبل أن يتم.. ولكن ممن تنتقم . وسعل بقوة.. ثم التهم الكأس الذي أمامه:
-أنها قصة طويلة يا بني.. حتى أننا من كثرة الملل نسيت معظمها.. ونسيت من هذا الذي كان ينبغي لي أن انتقم منه..
وسكت وحاولت أن أجره إلى الحديث بدون فائدة فاستمر يفرغ الكؤوس في بطنه.. ولم أود سوى أن أسحبه من الحانة ونخرج..
لفحتنا أنسام الصيف الباردة.. فسرت في جسدينا انتقاضة منعشة.. كان الليل هادئا وأسراب السيارات بدأت تقل.. كذلك خلت الشوارع من الناس. وكان القمر يرسل في تلك الليلة أشعة باهتة. حزينة. وسمعنا من بعيد أصوات الموج وهي تصطدم بصخور الشاطئ وسحرني الهدوء والنسيم الذي جعلني انتعش وأطرد أثر الكؤوس القليلة التي شربتها.. كما أنها أطلقت لسان " الصنعاني " حالما أطللنا على الشاطئ.
(15)
بدأت قصتي يا بني منذ عشرة أعوام. كنت في مدينة " صنعاء " مع زوجة أحبها وطفلة. رسمت لها مستقبلها بخطوط ذهبية لأنها الوحيدة التي رزقت بها.. لحدوث حادث لزوجتي منعها عن أن تحمل مرة أخرى. وكانت أحلامي كلها.. تدفئني وتدفعني للعمل من أجل تحقيقها. كنت أحلم بأن أصبح إنساناً يستطيع أن يعيش في هدوء في منزل فخم ذي حديقة وأن يصبح في مدينتنا مدرسة للبنات فأدخل ابنتي فيها. وأعلمها ثم أرسلها إلى الخارج لكي تستطيع أن تتخرج دكتورة.. أو أي شيء يجعلها تمارس حياتها حرة وتعول نفسها. وكنت أتصور حياة مدينتنا وقد أخذت بالتطور وأصبحت " عاصمة اليمن السعيدة" حقا.. وأن تستعيد تاريخها القديم. وأتصور دكاننا ذلك الصغير الذي كنت أملكه في أحد أحياء صنعاء القديمة قد أتسع وأصبح أكبر دكان في المدينة ويصبح ذلك الحي القديم حيا جديدا..
إلا أن الصور التي رسمتها لم أعد أذكر منها شيئا.. إلا أني كنت أعمل بشرف.. لأني أردت أن أقيم أحلامي تلك على أساس واحد هو الشرف. وكنت لا أهتم بشيء.. إلا أن تتقدم مدينتنا لكي تتقدم تجارتي الصغيرة فتكبر. أي لم أكن أهتم بالسياسة. أو غيرها. لأن الشيء الذي آمنت به هو أن كل إنسان ما دام يعمل بشرف.. فستصبح مدينته وقريته جنة.
ومرت الأحداث الكبيرة التي هزت العالم.. ولكنها لم تهز مدينتنا كثيرا. ولم أشعر أنا بوجودها. ومارست حياتي بنفس الطريقة التي مارستها من قبل.. بدون تغيير. من منزلي المتواضع الصغير.. إلى دكاني الصغير أيضا. ولكن بين الاثنين كانت تقع سعادتي.. حبي لعملي وحبي لزوجتي.. ثم حبي للعالم كله من خلال ذلك.
ومضت سنتان ثم بدأت اهتز. إلا أن اهتزازي كان ضعيفا، ففي ذات يوم سمعت أن " الأمام " قد قتل ولم أبك.. ولم أضحك. لأن ذهابه. أو وجوده لم يكن يهمني كثيرا. وتوالت بعدها الأحداث.. وكل ما كنت أريده هو أن تعود الحياة.. وتتطور حتى أحقق أحلامي. وكنت في لحظات أراجع نفسي وأتساءل " هل حقا أنني في الطريق الصحيح المؤدي إلى سعادتي التي أحلم بها ". وأجد أن كل الطريق المؤدية إليها معلقة. وأنني واقف.. لا أسير. وسأستمر واقفا.. إن لم أغير نظرتي.. وخطتي. وكنت كلما حاولت ذلك.. أتراجع لأني لا أستطيع أن أغير حياتي. فاستسلم للواقع.. مع تمسكي بأحلامي وشعرت بأن هناك نورا صغيرا قد يضيء حياتي لو استمر وذلك النور هو الأحداث التي وقعت بعد مقتل الأمام.. لأنها كانت ستدفعني دفعا إلى تغيير موقف وبالتالي إلى وصولي لأحلامي.
وسعل " الصنعاني " في تلك اللحظة. ونظر حوله.. كأنه قد خرج عن عالمنا هذا الذي حوله ليقودني إلى عالمه القديم. كان القمر في السماء يبدد السحب.. ليرسل إلينا أشعته اللامعة وكانت الأشعة تنعكس على صفحات المياه التي أمامنا.. فتضيء كل ما حولنا. كانت هناك سيارات قليلة واقفة كل واحدة بعيدة عن الأخرى. وكنا نسمع نغمات موسيقى أو ضحكات امرأة نشوى.. أو همسات حبيبين. وكان البحر أحيانا يلتهم كل تلك الأصوات داخل أمواجه التي يرسلها بقوة أحيانا وبضعف أحيانا أخرى. وفي كلا الحالتين كانت " زبدة الماء " تمتد على ساحة كبيرة فوق الرمال الصفراء النائمة.
واستمر الصنعاني.. بعد أن تزود بنشاط جديد مما يحيطه.. " وتطورت الأحداث إلى حرب أهلية. وشعرت لأول مرة بالخوف على أحلامي الصغيرة وقلت لنفسي لعل كل شيء ينتهي دون أن يمسك. وكنت ارتجف كلما أحسست أن الخطر قريب من ابنتي وزوجتي ".
وهنا كان صوت الصنعاني رقيقا. فيه حب. وفيه خوف..
" وذات يوم رأيت المعركة على أبواب صنعاء.. إذن فالوداع لأحلامك.. هكذا قلت لنفسي.. وحين عدت إلى المنزل رأيت زوجتي.. وفي عينيها نوع من التساؤل والخوف.. وكذلك كانت ابنتي الصغيرة متشبثة بملابس أمها تطلب الحماية.. كلما سمعت أصوات الرصاص تتصاعد في أرجاء المدينة. وشددت على يد زوجتي.. وهمست لها في حب. " أنهم لن يمسونا لأننا لم نعمل لهم أي شيء "..
-لكني خائفة..
-ليس هنا مبرر.. قلت لك أنهم لن يمسونا.. أنهم أسرة واحدة يتقاتلون على كرسي فيها.. فما دخلنا نحن.
-ولكنهم قتلوا " الإمام ".
-لسنا نحن الذين قتلناه..
وحاولت بشتى الوسائل أن أهدئ من روعها.. وأفلحت بعد إصرار بأنهم لن يمسونا. وصدقت أنا نفسي هذا الوهم. وقلت لنفسي.. نعم لن يضرونا.. لأننا لم نفعل لهم شيئا. وجعلت أردد ذلك حتى اقتنعت. واقتربت المعركة. يوما بعد يوم.. وأنا ما زلت أحلم وأكرر لنفسي.. أنهم. لن يمسونا. فلينتصر من يريد منهم ولكن ذلك كله لن يقنعني.. خاصة حين رأيت أهالي " صنعاء " يدافعون عن أنفسهم.. وشعرت أن في صنعاء روحا جديدة خلقت من خلال المقاومة.. وإلى ذلك اليوم لم أكن أعرف من هو الذي على حق.. الذي قتل. أم الذين قتلوه. ولكني أيضاً لم أستطع أن أربط بين هؤلاء وبين سكان " صنعاء ".. واشتعلت المدينة ذات يوم وابتدأت تلتهم منازلها النيران وذهبت أجري لأرى ما حل بدكاني. وهناك كانت البقايا تتحدث عن الوحشية.. ورأيت الجيش الغازي.. مجرد أناس لا يعرفون سوى النهب كان شعارهم قائدهم " صنعاء مدينة مفتوحة "..
وبدأ الألم يزداد في صوت الصنعاني.. ورأيت الدموع في عينيه.. كان صوته واضحا قويا.. وكان يتحدث وهو يمد يديه بقوة ويضرب بها الهواء..
وكان السكون مخيما على الشاطئ .. ومن بعيد كانت أنوار سيارة تتدفق نحو البحر.. فبدأ البحر تحت الضوء شعلة حمراء.. باهتة. وتخيلت عندئذ مدينة صنعاء.. وهي تعاني الألم. وتابع حديثه.
" واندفعت لأنقذ ما أستطيع من بقايا أحلامي. ونسيت كل شيء حولي. الرصاص. والهمج والنار. وكنت أجري هنا وهناك ألعن كل ما قابلته. وكل من قابلته لا عني بالنهب. كانت صنعاء حقا مدينة مفتوحة للغجر.. للهمج وشعرت بالتعب. وشعرت أن لي بيتا. وعائلة. وطفلة جميلة انهار مستقبلها بانهيار ما كنت أملكه من مال. وأحسست ببرودة تسري في داخلي. حين تصورت أنه قد يحدث لمنزلي ما حدث لدكاني.. وكنت عندئذ بعيدا عن المنزل. فأطلقت ساقي للريح. دون أن أعبأ بمن أقابلهم..
كانت صنعاء جميلة يا بني.. والجبال تحيط بها من كل جانب والأشجار الخضراء ترف في شوارعها ومنازلها. والشمس ترسل أشعتها من خلف السحب المجتمعة فوق سماء المدينة فتخترق الأشعة تلك السحب.. وتلقي أضواء هادئة على الأشجار.. والطرقات التي كانت موحلة.. حمراء من الطين والدم. لو لم تكن صنعاء مدينة ممطرة.. لانمحت من تلك الأيام من الوجود. ولاحترق كل سكانها. ووصلت يا بني إلى المنزل.. وقد هدني التعب.. وهناك تجمدت قدمي. كان المنزل مهدما. محطما. كان هناك عدوانا.. قد حدث. ودخلت المنزل. بان كل شيء في الداخل. مبعثرا. ممزقا.. السرير والملابس وبحثت عن زوجتي وطفلتي..
وغطى الصنعاني وجهه.. وتساقطت الدموع من عينيه. وقام من مجلسه بجانبي فوق الصخرة. وسار إلى الشاطئ الرملي الممتد إلا مالا نهاية.. وجعل ينظر إلى الأفق.. وكانت نسمات البحر الباردة تهب علينا..
أصبت بصدمة عنيفة وأنا أرى زوجتي وطفلتي.. وقد مزق جسميهما الرصاص والدماء تتدفق حارة.. ثائرة. ورأيت في نظريتهما.. الخوف. الغضب. كانت الطفلة متمسكة بأمها.. لا تريد فكاكا والأم متشبتة بها أيضا. وكانت ملابس الأم ممزقة.. كأن عدوانا أبشع قد وقع عليها. آه يا إلهي. هل تصل وحشية الإنسان إلى هذه الدرجة. أنني لا أستطيع مجرد أن أستعيد تلك الصورة. لأني كنت في حالة غيبوبة كاملة.. لا أميز ما هو حادث أمامي. كنت في حلم كبير.. فلم أستطع أن أمزق الواقع. لأنه كان بشعا. رهيبا. نعم رهيبا يا بني أن تنظر إلى أحب مخلوقات لديك.. مزقا. دموية.. يشع من عينيها الرعب القاتل.. وأنت لا تستطيع إزاءها ألا أن تعطي عينيك وتهرب.
وهز رأسه بحزن. وانفعال.
وخرجت ابحث عن انتقام. لقد تحطم القيد الذي كان يقيدني. وأصبحت طليقا. ولكن بعد أن فقدت كل شيء.. ولا أتصور من أين أتتني تلك القوة الرهيبة وأنا أصارع أول إنسان قابلته لانتزع منه أداة الموت. بندقيته.. وبدأت أطلق النار على كل من أراء دون تمييز. كنت أريد أن أقتل وأقتل.. لم أكن انظر إلى صنعاء وهي تتألم. لأنني كنت أتألم أشد منها.. ولم أنظر إلى الجمال.. والروعة.. ولم تعد أحلامي ملكا لي. لأنها كلها ماتت. بمجرد أن أدركت الخرافة الكبيرة التي كنت أعيش فيها..
وعاد إلى الصخرة مرة أخرى. ثم سحبني. ومضينا. نخط بأقدامنا على رمال الشاطئ.. دون هدف. والبحر يزمجر غاضبا فترتفع المياه إلى تحت أقدامنا.. بينما يتصارع الموج والصخر.. كل يريد أن يقتل الآخر.. واحتجت أشعة القمر.. وأصبح الشاطئ مظلما مخيفاً.. وسكتت الأصوات حولنا.. ولم يبق إلا صراخ الصراع.. بين الأمواج والصخور.
وتركت صنعاء.. بعد أن سقطت بين يد " الإمام الجديد " بعد أن تحطم كل شيء فيها.. حتى الإنسان. نعم حتى الإنسان ذلك الجبار الذي صنع المعجزات وما زال يصنعها تحطم تلك الأيام في مدينتنا .. وأصبح مجرد حيوان. ينهش كل ما يراه أمامه. دون تمييز.. دون خوف. لأن كل المعاني والقيم كانت قد تحطمت.
خرجت من صنعاء يا بني. وقد رسمت خطة. أن أغادر هذه الأرض " وأشار بيده مبينا " وتلك هي الغلطة الأولى التي ارتكبتها.. مغادرتي لتلك الأرض " وأشار إلى الشمال " لأنني حسبت أنني استطيع أن انتقم حين أصل هنا..
ومضت بي الحياة.. كنت اعمل من قبل لكي انتقم. أما الآن.. فقد أنستني الحياة كل شيء. وأصبح لزاما على أن أنسى مأساتي.. لأنهابسيطة بالنسبة للآخرين. ولكن يا بني يجب أن نعترف. أن كل إنسان لا يستطيع أن ينتقم لوحده. ولكننا كلنا مجتمعين مع مآسينا.. نستطيع أن ننتقم".
(16)
لم أكتب لك منذ طويلة. لأن حياتي ما زالت فارغة.. إلا إذا قلنا أن الصداقة التي ولدت من جديد بيني وبين الصنعاني أصبحت تملأ بعض هذا الفراغ. لقد أدركت فجأة أن الصنعاني إنسان.. وإنسان عميق أيضا. أنه يتحدث إلي إلا دون تردد.. لقد أصبح كتابا مفتوحا.. وكتابا ضخما. أصبحنا نقضي فترات كثيرة معا.. خاصة بعد أن عاد إلى العمل.. وأصبح يشغل وقته.
وجدت يا صديقي. كتبك التي تركتها. أنني أشكرك على ذلك. لأن هذه الكتب فتحت أمامي عالما كنت أجهله. عالما أصبحت أجد فيه الكثير من الإجابات التي أريدها.. وأصبحت أقضي معظم أوقاتي معها.. ولكن بالرغم من ذلك أشعر بفراغ.. لا أدري كيف أملأه. أنني أريد عملا لارتزق منه.. كلا فلدي هذا العمل. بل أصبحت أكرهه. ولكني أريد عملا آخر يطمئن نفسي وروحي وكياني كله.. عملا أشعر فيه بأنني إنسان كبير.. يفكر.. إنسان يتضامن مع الجميع. الحب.. الحب هو ما أريده.. حب الإنسان لأخيه الإنسان.. والعمل. العمل من أجل بناء ما تعفن من أنفسنا. ومن أرضنا. قد تقول أن العمل هنا متوفر. كلا يا صديقي.. ليس هنا من عمل.. طبيعي أن أؤمن أن بلادنا واحدة. لا يفرقها استعمار.. أو استبداد. وأن العمل من أجل القضاء على واحد منهما.. هو بالتالي العمل من أجل القضاء على الآخر. ولكن لا أجد هنا عملا وطنيا صحيحا. كل عمل هنا.. كما يقول الصنعاني.. مجرد لعب أطفال.. لا يجدون عملا جديا.
هنا الناس المستعدون للعمل.. ولكن ليس هنا القيادة التي تقرر. أنني أحيانا أكفر بالعمل. وأحيانا تسيطر على فرديتي ولكني تذكرت أحداث القرية.. وقصص الملايين من أبناء وطننا المشردين تحت كل سماء.. أجد أن من الخيانة ألا أعمل. يقول " الصنعاني " دائما.. إننا نهرب.. تلك هي الحقيقة. لأننا نجد فراغا قاتلا في داخلنا.. أن الزعماء.. أو الذين يقولون أنهم زعماءهم أيضا.. مجرد ناس شعروا بالفراغ في داخلهم.. فأرادوا.. بأن يظهروا. ونحن لا نمانع من ظهورهم. ولكن لا على أساس العقد التي تعيش في داخلهم.. ولا على مركب النقص الذي يشعرون به. إننا يا بني نريد عملا حقيقيا.. جماعيا.. لأن تلك هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع أن نأخذ بها حقنا.."
ولكن يا صديقي ابن زعماؤنا..؟؟ أين من يقود هذه الجماهير.. إلى طريق الحرية. أن الأسئلة ترتسم على طريقنا فلا نجد إجابة.. وأنتم.. يا من تركتم بلادكم. وجماهيركم ما هي الأعمال التي علمتموها. غير الهروب.. نعم الهروب من واقعكم.
لقد رأيت بالأمس يا صديقي نزيلا جديدا لمقهانا وغرفتنا. كنت قد عدت من العمل. ورأيت سريرك وقد احتله رجل لم أراه من قبل.. طويلا.. أسمر اللون لفحته الشمس. أو اللهب. ومد يدا طويلة وهو يصافحني. ويقدم نفسه أن أسمه علي.. " علي الزغير " كان بحارا فوق إحدى بواخر شركة إنجليزية.. غاب عن بلاده مدة عشر سنوات.. أي منذ كان في العشرين وعمل في " موقد " الباخرة.. التي أعطته.. بشرته السمراء الجميلة.
وأخبرني أنه قد زار خلال رحلته معظم بلاد العالم.. ولكن الذي عرفته منه. أنه لا يعرف من مشاكلنا الوطنية شيئا.. بل ابتسم حين قال له الصنعاني.
-هلا كنتم مجموعة فوق الباخرة؟
-كلا.. فأنا لا أحب اليمنيين..
وسألته.. لماذا؟؟
وأجابني بقوله:
-أن اليمني.. لا تستطيع أن تعيش معه. لأنه سيجعل حياتكم كلها جحيما.. وهو سيخلق لك المشاكل من لا شيء. ونظر الصنعاني نحوي ثم هز رأسه وقال..
-هؤلاء هم من يؤخرون قضيتنا الوطنية.. أنهم لا يعرفون عن بلادهم شيئا.. يهربون.. ثم يأتون ليقولوا.. إنهم بكل بساطة.. لا يحبون اليمنيين.
وثار الصنعاني-
أنتم أنتم.. وسكت.. لماذا عدت إذن؟ وسمع صاحب " المقهى الحاج علي " فأقبل نحو الصنعاني قائلا-
-وأنت ما هي الأعمال التي قمت بها لوطنك..
فأجبته- إنه على الأقل يشعر بأن عليه أن يعمل
-ليس بالشعور وحده نستطيع أن نخلص بلادنا.. فأنا منذ عشرين عاما.. امتلك هذه المقهى.. ومرت على الوجوه الكثيرة.. كلها كانت تتحدث أحيانا.. وخاصة عندما يأكلون " القات " يتحدثون يا بني عن " الوطنية " وعن بلادهم.. ولكني لم أر واحدا منهم يحاول أن يعمل فعلا عملا إيجابيا. لتحطيم الجمود الذي يسيطر على بلاده.. نعم " يا نعمان ".. ليس.. شعورنا بأن بلادنا مظلومة يكفي.... أجابه الصنعاني
-إن الإنسان.. وخاصة من ذهبوا إلى الخارج يجيدون هناك فرصاً كثيرة لكي يعملوا ولكن أنظر إلى هذا " وأشار إلى البحار " أنه عاد دون أن يفقه شيئا.. أن ذلك يظهر من أحاديثه.. ومن تقاسيم وجهه.
وابتسم البحار وقال.
-لا تظلمني يا صديقي.. فأنا لا أعرف القراءة والكتابة.. حتى أتابع الحركة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الأحد 12 فبراير 2012 - 10:15

(16)
لم أكتب لك منذ طويلة. لأن حياتي ما زالت فارغة.. إلا إذا قلنا أن الصداقة التي ولدت من جديد بيني وبين الصنعاني أصبحت تملأ بعض هذا الفراغ. لقد أدركت فجأة أن الصنعاني إنسان.. وإنسان عميق أيضا. أنه يتحدث إلي إلا دون تردد.. لقد أصبح كتابا مفتوحا.. وكتابا ضخما. أصبحنا نقضي فترات كثيرة معا.. خاصة بعد أن عاد إلى العمل.. وأصبح يشغل وقته.
وجدت يا صديقي. كتبك التي تركتها. أنني أشكرك على ذلك. لأن هذه الكتب فتحت أمامي عالما كنت أجهله. عالما أصبحت أجد فيه الكثير من الإجابات التي أريدها.. وأصبحت أقضي معظم أوقاتي معها.. ولكن بالرغم من ذلك أشعر بفراغ.. لا أدري كيف أملأه. أنني أريد عملا لارتزق منه.. كلا فلدي هذا العمل. بل أصبحت أكرهه. ولكني أريد عملا آخر يطمئن نفسي وروحي وكياني كله.. عملا أشعر فيه بأنني إنسان كبير.. يفكر.. إنسان يتضامن مع الجميع. الحب.. الحب هو ما أريده.. حب الإنسان لأخيه الإنسان.. والعمل. العمل من أجل بناء ما تعفن من أنفسنا. ومن أرضنا. قد تقول أن العمل هنا متوفر. كلا يا صديقي.. ليس هنا من عمل.. طبيعي أن أؤمن أن بلادنا واحدة. لا يفرقها استعمار.. أو استبداد. وأن العمل من أجل القضاء على واحد منهما.. هو بالتالي العمل من أجل القضاء على الآخر. ولكن لا أجد هنا عملا وطنيا صحيحا. كل عمل هنا.. كما يقول الصنعاني.. مجرد لعب أطفال.. لا يجدون عملا جديا.
هنا الناس المستعدون للعمل.. ولكن ليس هنا القيادة التي تقرر. أنني أحيانا أكفر بالعمل. وأحيانا تسيطر على فرديتي ولكني تذكرت أحداث القرية.. وقصص الملايين من أبناء وطننا المشردين تحت كل سماء.. أجد أن من الخيانة ألا أعمل. يقول " الصنعاني " دائما.. إننا نهرب.. تلك هي الحقيقة. لأننا نجد فراغا قاتلا في داخلنا.. أن الزعماء.. أو الذين يقولون أنهم زعماءهم أيضا.. مجرد ناس شعروا بالفراغ في داخلهم.. فأرادوا.. بأن يظهروا. ونحن لا نمانع من ظهورهم. ولكن لا على أساس العقد التي تعيش في داخلهم.. ولا على مركب النقص الذي يشعرون به. إننا يا بني نريد عملا حقيقيا.. جماعيا.. لأن تلك هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع أن نأخذ بها حقنا.."
ولكن يا صديقي ابن زعماؤنا..؟؟ أين من يقود هذه الجماهير.. إلى طريق الحرية. أن الأسئلة ترتسم على طريقنا فلا نجد إجابة.. وأنتم.. يا من تركتم بلادكم. وجماهيركم ما هي الأعمال التي علمتموها. غير الهروب.. نعم الهروب من واقعكم.
لقد رأيت بالأمس يا صديقي نزيلا جديدا لمقهانا وغرفتنا. كنت قد عدت من العمل. ورأيت سريرك وقد احتله رجل لم أراه من قبل.. طويلا.. أسمر اللون لفحته الشمس. أو اللهب. ومد يدا طويلة وهو يصافحني. ويقدم نفسه أن أسمه علي.. " علي الزغير " كان بحارا فوق إحدى بواخر شركة إنجليزية.. غاب عن بلاده مدة عشر سنوات.. أي منذ كان في العشرين وعمل في " موقد " الباخرة.. التي أعطته.. بشرته السمراء الجميلة.
وأخبرني أنه قد زار خلال رحلته معظم بلاد العالم.. ولكن الذي عرفته منه. أنه لا يعرف من مشاكلنا الوطنية شيئا.. بل ابتسم حين قال له الصنعاني.
-هلا كنتم مجموعة فوق الباخرة؟
-كلا.. فأنا لا أحب اليمنيين..
وسألته.. لماذا؟؟
وأجابني بقوله:
-أن اليمني.. لا تستطيع أن تعيش معه. لأنه سيجعل حياتكم كلها جحيما.. وهو سيخلق لك المشاكل من لا شيء. ونظر الصنعاني نحوي ثم هز رأسه وقال..
-هؤلاء هم من يؤخرون قضيتنا الوطنية.. أنهم لا يعرفون عن بلادهم شيئا.. يهربون.. ثم يأتون ليقولوا.. إنهم بكل بساطة.. لا يحبون اليمنيين.
وثار الصنعاني-
أنتم أنتم.. وسكت.. لماذا عدت إذن؟ وسمع صاحب " المقهى الحاج علي " فأقبل نحو الصنعاني قائلا-
-وأنت ما هي الأعمال التي قمت بها لوطنك..
فأجبته- إنه على الأقل يشعر بأن عليه أن يعمل
-ليس بالشعور وحده نستطيع أن نخلص بلادنا.. فأنا منذ عشرين عاما.. امتلك هذه المقهى.. ومرت على الوجوه الكثيرة.. كلها كانت تتحدث أحيانا.. وخاصة عندما يأكلون " القات " يتحدثون يا بني عن " الوطنية " وعن بلادهم.. ولكني لم أر واحدا منهم يحاول أن يعمل فعلا عملا إيجابيا. لتحطيم الجمود الذي يسيطر على بلاده.. نعم " يا نعمان ".. ليس.. شعورنا بأن بلادنا مظلومة يكفي.... أجابه الصنعاني
-إن الإنسان.. وخاصة من ذهبوا إلى الخارج يجيدون هناك فرصاً كثيرة لكي يعملوا ولكن أنظر إلى هذا " وأشار إلى البحار " أنه عاد دون أن يفقه شيئا.. أن ذلك يظهر من أحاديثه.. ومن تقاسيم وجهه.
وابتسم البحار وقال.
-لا تظلمني يا صديقي.. فأنا لا أعرف القراءة والكتابة.. حتى أتابع الحركة.
(17)
أصبح " البحار " رفيقا لنا.. وأصبحنا تقضي أمسياتنا نتحدث عن ذكرياتنا.. ونقرأ فصولا من كتبك. ونناقش قضايا وطننا السياسية. كما أننا نتحدث عن أنفسنا.. قص علينا البحار قصة حياته.. أنها عادية في نظرنا لأنها كحياتي وحياتك. وحياة كل يمني. ولكنها المأساة.. في نظر الآخرين.
" تركت قريتي حين كنت في العاشرة.. إلى عدن. وعشت فيها أعمل في دكان يملكه أحد أصدقاء والدي. وهو من قريتنا. كنت أعمل فيه منذ الخامسة صباحاً حتى الثانية عشر مساء. أنني ما زلت ألاحظ أن هذا ما زال موجودا لكثيرين من أطفال بلادنا الآن. وكنت لا أجد الراحة سوى في أوقات أكل القات. كانت الحياة في عدن قبل عشرين عاما مملة. لذلك قررت أن أترك عملي بالدكان.. وعدت إلى القرية. ولكن حياة القرية لم تناسبني. لأنني كنت قد تأثرت كثيرا بالمدينة. فالإنسان عندما يجد الحضارة.. لا يحب مطلقا أن يعود إلى البدائية. فهربت من القرية.. وكان هدفي أن أتعلم هذه المرة.. لا أن أعمل. فاتخذت الطريق إلى الشمال.. " إلى زبيد ". ثلاثة شهور مشيا على الأقدام أحيانا. أو التعلق على سيارة عابرة.. عبر الجبال.. جبال الشمال. آه ما أروعها.. حيث ينام الثلج على القمم. تترقرق الجدران ملتوية كالثعبان ثم الغابات الخضراء. والأراضي المنبسطة اللانهائية كلها يا أصدقاء سمراء. غنية. حبيبة.. ثم الصحراء تترامى في النهاية في أحضان البحر ولكن يد الإنسان الخلاقة.. شقت في تلك الصحراء. واحات خضراء. كنت أجد فيها المأوى والمأكل. لأن الأرض كريمة في بلادنا الشمالية. وأهلها أكرم.. أنني أحاول أن أستعيد صورا مرت عليها سنوات.. فأجد لوحات منقوشة لا تنمحي. كرم اليمني لأخيه رغم المأساة التي يعيشها. هنا أجد فرقا بين الرجل والمرأة. لأن كليهما يعمل. فالأرض يا أصدقاء تحتاج إلى أيد متعاونة متحابة. تلك هي أيدي الرجل والمرأة وسألته موضحا:
الشمال. وأرض الشمال. سماء الشمال. كلها حبيبة إلى القلب.."
ويتنهد " البحار " وأرى دموعا تكاد تخرج من عينيه. هي دموع الذكرى والحب الذي كان يحمله هذا الإنسان للشمال..".
" لكن.. نعم.. لكن يا أصدقاء هناك ترقد المأساة بثوبها الأسود الكالح. الإنسان موجود هناك.. ولكنه أي إنسان أنه ليس بإنسان القرن العشرين.. بل إنسان قرون مضت.. وطمرها النسيان. لكنها في بلادنا. لا تعرف النسيان. بل هي تحتوي هذا النسيان.. فتعيش لأنها تحالفت مع تماثيل صخرية آمنت بها.
كانت " زبيد " منارة للعلم منذ عرف اليمنيون العلم.. وظلت قرونا شعلتها. لكن حين أشرفت عليها.. كانت نائمة في وسط سهل ممتد.. مآذنها القديمة وبيوتها ذات البناء التاريخي.. ثم عشش من اللبن وعشش أخرى من مخلفات الماشية. وسعف النخيل. " وهناك " خارج أسوار المدينة.. تلك الأسوار التي صدت عن زبيد غارات المتوحشين.. وحفظت لها شعلة العلم. وهي الأسوار التي صدت عن المدينة.. تدفق شعاع العلم الحديث. خارج تلك الأسوار القديمة. الصلدة التي ما زالت تقاوم الزمن تقع " المقبرة ". ميدان واسع لا نهاية له. كأن أموات العالم كله متجمعون هناك.. ومن فوق ربوة عالية خارج " زبيد " ترى المكانين. زبيد داخل سورها.. والمقابر بشواهدها.. وقببها البيضاء. مدينتان.. للأحياء.. وللأموات. وأي إنسان لا يعرف زبيد.. لا يستطيع أن يميز بين المدينتين لأنهما متشابهتان.
داخل الأسوار.. ينام الناس.. ويأكلون. ويذهبون إلى مسجدها الكبير.. ليؤدونها بدون حماس.. ثم يعودون ليناموا. ولا تستطيع أن تحدد أين ينام الناس ففي كل مكان تراهم متمددين.. داخل الأسواق. ذات الشوارع الحجرية.. والدكاكين المبنية من حجارة متراكبة فوق بعضها بدون تماسك ومن سعف النخيل.. أو في المقاهي. حيث السرر الخشبية المربوطة بجبال بدلا من الكراسي.. وفي المساجد وداخل البيوت.. أو على أسطحها.. وفي داراتها في كل مكان ترى الناس عرايا إلا من مئزر أبيض إلى الركب.. وقلنسوة مصنوعة من " الألياف ".
والمدينة يا أصدقاء.. تخترق من أشعة الشمس وتحترق من الناس الذين لا يعملون.. وتحترق من الدعوات التي تتصاعد كل يوم إلى السماء.. حارة أحيانا وباردة أخرى. وخارج أسوار المدينة.. ترى الناس أيضا وسط شواهد المقابر.. منهم من يبكي. ومنهم من يذهب يبحث عن من يريد أن يستأجر ليقرأ " القرآن " على قبر. وفي الليل أو في النهار ينام الناس.. ويأكلون ويصلون فوق المقابر.. بل أن المقابر تشهد في فترات من السنة أعيادا.. يشترك فيها الجميع.. ويجدون فيها المأكل والمشرب. ثم في النهاية يصلون على روح من كان السبب في أحياء ذلك الحفل.
في كلا الجزئين من المدينة.. خارج الأسوار وداخلها.. تشهد حياة.. غريبة. ولولا وجود عدد من السيارات التي تمر بزبيد في طريقها من الحديدة إلى تعز وبالعكس لقلنا أنها مدينة تاريخية.. لا وجود لها.
وحين ينزل الإنسان من فوق ذلك التل الذي شاهد فيه المدينة لأول مرة.. بجزئيها.. يختلف المنظر. لأنه يرى كل شيء عندئذ عن قرب.
ودخلت المدينة واتجهت يا أصدقاء إلى المسجد حيث قيل أنه يوجد مكان لنا.. نحن الذين نطلب العلم.. وحيث نجد مكانا نأوي إليه. وأكلا. وشربا. وخطوات خطواتي الأولى نحو عالم النور.. العلم.
كان الوقت عصرا حين دخلت المدينة والشمس ترسل لهيبها الحار وشوارع المدينة تقريبا خالية.. بينما كانت المقاهي مكتظة بالناس يأكلون القات ويتحدثون عن كل شيء.. فيوصل إلى بيت كبير يشبه قلعة حربية تاريخية.. كل نوافذه مطلية باللون الأبيض.. وعلى بابه كان يقف " عكيفان " يحرسانه.. وأمام الدار كانت سيارة " جيب " صغيرة تنام بهدوء تحت ظل حظيرة كانت للحمير.. والبغال.
كانت أبواب الدكاكين مقفلة. وتحت ظلالها بنيانها كان أناس مهلهلو الملابس قذر والخلقة تفوح من أجسامهم رائحة نتنة، ينامون. وقد ارتسمت على شفاههم بسمات سعيدة.. لعلهم يحلمون بحياة أفضل.. وهناك ظاهرة.. توجد بكل مدينة من مدن ساحلنا الذهبي الباكي " ساحل تهامة " فهناك يا أصدقاء تشارك المرأة الرجل كل شيء. حتى تشرده.
وفي صحن المسجد الكبير.. حيث سمعت قصص آلاف ممن كانوا ينامون. ويتعلمون.. في هذا الصحن. حكايات.. بسيطة كبلادنا.. عنيفة كبلادنا أيضا. ناس بسطاء.. تكبدوا كل شيء من أجل العلم.. ثم قادهم علمهم ذلك إلى غياهب السجون. هناك في حجة.. وفي صعدة وفي غيرها من السراديب السوداء المظلمة تحت أرض بلادنا. أنها مسكينة يا أصدقاء هذه الأرض. فهي تتحمل الآم الناس فوقها.. وتحمل الآمهم تحتها.. أنهم أحياء وأموات.. في كل جزء.
وغابت شمس ذلك اليوم. كانت دامية. وهي تخلف الأفق الرملي. يقولون هناك.. إنها تغوص في المياه لكي تغسل جراحها. كانت دماء الشمس تغمر الصحراء والمدينة.. والمقابر.. وكانت تتخلل مآذن المسجد.. وبيت " الحاكم " الذي يبدو كقلعة قديمة. وكانت دماء أخرى.. لكنها سوداء.. تغرق قلب المدينة. ماتت الشمس.. وماتت معها حركات الناس في المدينة.. ولكنك تسمع همسات صغيرة.. تتحول إلى أنين. كلها تأتي من خارج الأسوار.. لعلها الأموات تتحدث.. أو تبكي.
وهز " البحار " رأسه مرة أخرى.. وكانت عيناه تحملقان في أخشاب الباب.. والسقف.. وتعود تحملق فينا. كأنها تجد فيها مزيدا من الذكريات. وتمضي العينان تدوران.. ويدور معها عقل.. وذكريات البحار.
" وولد النهار من جديد. كان جديدا بالنسبة لي. ولكنه كان قديما.. وموغلا في القدم لسكان المدينتين. لا يهتمون لو طعلت الشمس. أو لم تطلع.. لأن حياتهم.. أصبحت يا أصدقاء فارغة. بلا هدف.. أكل ونوم ثم صلاة. وامتلأ المسجد بالناس. كانوا كلهم مثلي طلبة وقلت لأحدهم...:-
-إن الذين يتلقون العلم هنا كثيرون.. أليس كذلك؟؟ ونظر الذي سألته.. ثم هز رأسه.. قائلا: أنك غريب..
وهززت رأسي مجيبا.. فابتسم نحوي.. ووضع يده فوق كتفي.. وهو يقول..
-ستدرك ذلك كله تقريبا.. لا تتعجل.
ومضى وتركني في حيرة. ما لهؤلاء الناس ألا يريدون كلاما. أم أنهم فقدوا القدرة عليه.. وجرفني تيار الناس.. وتساءلت.. " لو كان الناس الذين بتعلمون بهذا العدد لما كانت بلادنا هكذا. على الأقل هناك أناس محطمون.. أو يثورون على واقعهم" . ثم أعود وأتساءل: إذن ماذا يعمل هؤلاء كلهم.؟ وتقودني قدمي إلى مكان تفوح منه روائح.. الأكل. ثم أجد نفسي وقد تلقيت في ردائي قطعة كبيرة من اللحم.
لما أكلت كل الذي أعطوك.
-نعم.. يا رفيق..
-ماذا كنت تقول إذن..
وأشار إلى قطعة اللحم الباقية معي. وفتات الكدر..
-لقد أكلت معظم ما أخذت..
-نعم وماذا في ذلك..
هز كتفه قائلا.. لاشيء..
-إذن..
وقام الشاب من جانبي. ومضى قائلا:
-وداعا يا رفيق.. لعلنا نلتقي..
يا لأخلاق هؤلاء الناس.. أنهم غامضون. ومضيت ألتهم ما بقى.
ومضى اليوم الثاني من وجودي في المدينة. وذهبت إلى شيخ رأيته في صحن المسجد.. صباح اليوم الثالث. وأقريته السلام.. وقبلت يديه. كانت لحيته بيضاء المصبوغة " بالحناء "تمسح الأرض والتجاعيد تغطي وجهه كله.. وملابسه البيضاء.. صبغها بلون أصفر.. فأصبحت باهتة.. ويداه ورجلاه وشعر رأسه الأشيب كلها صبغت باللون الأحمر.. بالحناء. وجلست بجانبه. كان يردد أغنية لم أفهمها. وكانت أصابع يده تسقط حبات المسبحة. وفتح عينه الضيقة. ونظر إلي وأنا أقبل يده.. ثم أتاني صوته كأنه خارج من أعماق كهف عميق.. ماذا تريد يا بني..؟؟
-أنني جديد هنا..
-إذن..
-لا أعرف ماذا أعمل..
-ماذا أتيت تعمل هنا..
-ونظرت إليه في استغراب.. ولكني أجبته..
-أنني أتيت لأتعلم..
ففتح الرجل. الشيخ.. عينيه الضيقتين.
تتعلم. تتعلم.. وماذا تتعلم.. وجعل يهز رأسه.. لقد ذهب العلم والعلماء.. يا بني. ولم يبق هنا شيئا. ونظر إلي.. من الذي خدعك وقال لك أن هنا علم. من أين أتيت يا بني..؟
-من لواء تعز..؟
-آه لواء تعز.. كيف الناس هواك.. أنني لم أرها منذ فترة طويلة.. من أي مكان أنت من هذا اللواء..
-الصلو..
وجعل الرجل العجوز يعيد على مسامعي. قصة حياته حين كان شابا..:
كان لنا يا بني حياة.. كبيرة. كنا نشعر بأننا نعيشها. أما اليوم.. فأنتم الشباب.. لا تعرفون لحياتكم معنى. لقد فقدتم أشياء كثيرة. لأنكم فقدتم حريتكم. يا بني لكي تتعلم لا بد أن تصبح حرا. أنك لست حرا. هناك جدار أسود كبير.. أهدم هذا الجدار.. ثم جئني. وأنا أعلمك.. معنى الحياة "..
وجعلت أصغي إليه.. بالرغم من أطالته في الحديث إلا أنني وجت فيه أشياء كنت أجهلها من قبل. وجعل يحدثني عن زبيد.. قائلا: " أنها مدينة بسيطة. كانت قديما يا بني عامرة بأشياء كثيرة. كانت المساجد.. لا كما تراها اليوم. " قذرة " لا يعتني بها أحد.. كانت قديما تتلألأ بالنور. وكان طلاب العلم يفدمون إليها من كل أنحاء اليمن. ويجدون هنا الخير. كانت الأوقاف التي للمساجد.. تردد أموالا طائلة. تكفي لكي يعيش الطالب هنا ويتعلم ما يريد. أما اليوم.. فأين الأرض يا بني.. أين الأوقاف. لقد أخذتها الحكومة.. بدعوى أنها ستتكفل بكل شيء. فذهبت الأرض. وذهب العلم فلا يستطيع الطالب اليوم إلا أن ينفق على نفسه.. ولكنه لا يوجد طلاب.. اليوم ".... وسكت.. وسألته مستوضحا.
لقد رأيت كثيرين اليوم يأخذون نصيبهم من الأكل في صحن المسجد.. فمن هم إذن إذا لم يكونوا طلابا.
اتسعت عينا الرجل الشيخ.. وهو يجيب..
-أنهم أهالي المدينة يا ابني. وهذا الذي وزع اليوم.. هو صدقة من حاكم المدينة.. لأن " إحدى " زوجاته قد ماتت بالأمس. فلا تظن أنه للطلبة وأن أولئك طلابا.
هزني حديث الشيخ.. أين أمضى إذن إذا لم أجد مالا وملبسا. تعليما. وقام الشيخ يصلي بينما جلست أفكر. ماذا أعمل.. هل أعود إلى القرية أم استمر في رحلتي إلى ما لا نهاية. وبدأت صور كثيرة تجول في ذهني.. المدينة والسور.. والشمس وهي تغيب من فوق المقابر.. ذلك الوادي السعيد " وادي الزبيد " الذي يبدو كثعبان يتلوى وسط. الصحراء.. وأنا.. والشيخ والطالب الذي رأيته من ساعات.
وأخرجني من ذهولي ذلك صوت الشيخ.. وهو يدعوني.. ولكني وتمسكت به قائلا:
-إلى أين أذهب إذن يا سيدي..
كان في صوتي نغمة.. جديدة لم أعهدها من قبل.. نغمة الخوف من المصير المجهول.
وقادني الشيخ معه إلى الخارج.. قائلا.. تعال معي لعلي استطيع أن أرد بأيوائك بعض ما فعله الناس لي حين كنت في " لواء تعز ".
وعشت يا أصدقائي مع الرجل العجوز في بيته. كان يعلمني قراءة القرآن وكان يغيب كثيرا عن المنزل لأنه يذهب إلى منزل الحاكم.. وغيره من رجال الحكومة حيث يسليهم بأحاديثه.. وحكاياته.. عن الاقدمين. كان ورعا حين يتحدث.. عن الماضي.. عن الشعراء.. وأشعارهم.. وعن المحبين.. و..
وحاولت أن أتعلم الكتابة. ولكني لم أستطع لأنني كنت أعمل في الأعمال المنزلية أكثر من عملي في حقل العلوم.. ولكني استطعت أن أحفظ أجزاء من القرآن.
وذات يوم.. صحبني الشيخ معه إلى منزل " العامل " كان منزله.. بجوار منزل " الحاكم " .. كبيرا قديما.. كقلعة وعلى الباب عدد من الجنود " العكفة " ونوافذ المنزل مطلية كلها باللون الأبيض.
كان المنزل من الداخل جميلا.. خاصة " المبرز " حيث الستائر الحريرية.. والمفارش الفارسية معلقة على الجدران. وفرشت أرض " المبرز " بقطائف جميلة الصنع. كان الشيخ يدعي " العمى " .. ويقول أنه لا يرى. ولكن حياتي معه أثبتت العكس.. وقال مفسراً ذلك..
" عندما تعيش يا بني مع ناس أعمى الله بصائرهم.. يعيشون في الفسق والفجور ويدعون أنهم أتقياء.. لا بد وأن تعمي بصرك.. حتى لا تكشف حقيقتهم. لتستطيع أن تعيش".
وكنت في ذلك الوقت يا أصدقاء أملك صوتا جميلا.. وحين كنت أتلو القرآن.. كان الشيخ يعجب بذلك..
كان المبرز كبيرا.. ضمت أرجاؤه الكثير من الناس. وبدأت أتلو القرآن... كان الجميع ينظرون إلي في إعجاب. وخفت في أول الأمر. ولكن. في النهاية نزعت الخوف عني. وعدت إلى المنزل والشيخ يثني علي كثيرا.. لأنني كنت السبب في إعجاب الحاضرين.. وفي حصوله على مبلغ كبير من المال.
ومضى يومان على ذلك.. أقبل الشيخ بعدها وهو يبتسم قائلا: ستذهب اليوم إلى بيت العامل.. ووافقت.. ولكنه أردف قائلا.. ستكون هناك وحدك.. وبان التساؤل في وجهي. واستمر قائلا أنك لن تذهب " للعامل ". كانت شابة في الخامسة والعشرين من عمرها سمراء كلون تهامه.. تملك عينين. فيها سحر خارق، وحواجب سوداء كثيفة. قصيرة القامة.. ممتلئة الجسم. كأجمل ما تكون المرأة. وكان " المبرز " الذي استقبلتني فيه مخالفا للمبرز الذي كان فيه زوجها العجوز.. ذو الستين خريفا. وكان هناك عدد من النساء معظمهن في جمال زوجة " العامل ".. أجملهن فتاة استهوتني من أول نظرة. هي حسب ما عرفته في النهاية ابنة " الحاكم ". وارتجفت. وأنا أرى هذه العيون كلها متجهة تنظر إلي. كنت شابا في السادسة عشر تقريبا. ولكن الحياة جعلتني أملك جسما قويا.. وشمس تهامة أحالت بشرتي إلى لون لبن. وبدأت أتلو سورة " يوسف ". لم أكن أحب أن أقلدها.. إلا أن أصرار النساء جعلني أرضخ. لا تستطيعون تصور مقدار ما يشعر به الإنسان وهو يرى نساء جميلات ينظرن إليه بإعجاب. وقرأت. وانتهيت ثم أكلت.. كثيرا. ثم أعدت القراءة ثانية. كانت روائح العطور تختلط بالعرق الذي يتصبب مني. وببطء بالعرق الذي تصنعه " حواء " . وشعرت أن المبرز يفرغ ببطء. لم يبق في النهاية. سوى زوجة " العامل" وأنا..
وهنا توقف البحار. ورأيت عينيه تلتهمان الفراغ.. كأنه يرسم فيه صورة رائعة لزوجة " العامل"..
" نعم يا أصدقاء.. كنا وحيدين. وانغلق الباب. وسمعت صوتها الملائكي.. تطلب مني أن أتلو لها مقطعا من سورة يوسف. مقطع زوجة العزيز.. وهي تراود يوسف عن نفسها وقرأت المقطع ثم أعدته ثانية وثالثة و" زوجة العزيز " تقترب مني.. كانت ثائرة.. تنطلق الوحشية من بين عينيها.. وتساقطت جداول من شعرها الأسود.. ورأيت شفتيها تتحجران وتركزت عيناها علي.. وبدأت ارتجف.. واختلطت رائحة العرق الذي تصيب مني برائحتها الجميلة.. رائحة النعمة.. والحياة السهلة"...
وحين عدت إلى المنزل كان في حبيبي ريالات فضية جديدة لم أعدها. وفي داخلي حيوان هادئ.. ارتوي لأول مرة في حياته أما الجانب الطيب من نفسي فكان يتعجب.. ألا يتوحد الغني والفقير إلا في هذه الناحية فقط.. أليس هناك فقط تلاقيا آخر؟ فلا يجد الجواب.. وكانت الرائحة تفوح من ملابسي حين كنت أعد الريالات للشيخ.. وكنت أراه يشم الرائحة بنهم شديد ثم قال:..
-لقد تطيبت فيما أرى. ثم وضع يده على كتفي. واستمر .. أرجو أن يديم الله لك هذا الطيب.. فهو الطريق الوحيد هناك لكي تعيش وتتعلم.. ومضى.
وترددت بعد ذلك على كلا المنزلين.. منزل " العامل". ومنزل " الحاكم ". وفي كليهما. كان لي سرير. دافئ. وامرأة.. تمنحني ما أشاء. ولكني فضلت أن أترك القذارة التي أعيش فيها.. أردت من قبل أن أهرب من عبودية العمل في دكان.. لأقع الآن في عبودية .. المرأة.
وفي ليلة كان القمر يرسل فيها أشعته الحزينة.. على المدينة.. وكان الوادي يتلوى بألم.. وكانت أصوات كثيرة. تنبعث من داخل المقابر. خيل إلي أنها.. تقول " لن نموت .. نحن ما زلنا أحياء.. ننظر إلى قاذوراتكم.." انطلقت أقطع الطريق إلى الهضبة.. ومن هناك ألقيت آخر نظرة على " زبيد " كانت المآذن ترتفع إلى السماء.. وبجانبها. تقع قلعتان.. تغطيان السور.. أما من الجهة الأخرى مجرد عشش.. لا غير.
ونامت المدينة.. ولكن المقابر لم تنم. لعلها تجد الحياة في الليل.. حيث لا يكون في " تهامة" أنجاس ولا قيود. لعل الموتى يجدون الحرية.. والتنفس.. في الليل فقط.
ومضيت يا أصدقاء. أقطع الطريق نحو الشمال. وفي ذات ليلة مسودة. أضاء لي الطريق وهج أحمر. يتصاعد إلى عنان السماء... أهذه هي الحديدة، تستقبلني بالأنوار. وخطوات خطوات إلى أبواب المدينة.
كانت تنام في سهل ساحلي.. ضيق.. يحيط بها البحر. والصحراء تلتهم الجزء الخلفي منها. وكانت تنقسم إلى قسمين.. قسم مبني بالحجارة. واللبن حيث الأسواق وبين " الحاكم " ودار أضيافة. والميناء القديم المهدم ومبنى كبير للسيارات. وعدة مخازن كبيرة لتجارة الحديدة.. أما القسم الآخر.. فهو مبنى كله من الحشيش وسعف النخيل.. كان لسكني " الاخدام " والطبقة الفقيرة.. وما أكثرها هناك. وكان هذا القسم الأخير هو الذي استقبلني بلهيبه الأحمر.. المتصاعد إلى السماء. كان يحترق.
وجلست يا أصدقاء على باب المدينة بعيدا عن كل شيء. عن الضوضاء. والحريق. والصراخ. كان كل شيء يحترق. وكان الجميع ينظرون هل في استطاعتهم أن يعملوا شيئا لوقف الحريق.. ويهز معظمهم رؤوسهم قائلين.. كلا.. لا أمل. ولكنت أتحترق المدينة كلها.. فتعود الرؤوس تهتز مرة أخرى.. من قال ذلك أن الذي يحترق دائما هو ملك الفقراء. أما ملك الأغنياء فلا يحترق. وأهز رأسي.. أنها دائما نفس القصة. الأغنياء. والفقراء.. ويرتفع اللهب.. ويلتهم عششا أخرى.. ويتصارخ الأطفال والنساء. أن كل ما كانوا يملكون يحترق القسم الأخر من المدينة. كأن الله قد حصن ذلك القسم بقوة غيبيه. لكن العشش تحترق .. وتحترق.
هل أعود اذن من حين أتيت.. أم أتابع المسير. أنا لا أريد مرة أخرى أن استعيد هذه القصة الملكة السخيفة.. أغنياء.. فقراء. وأجر قدمي حتى الميناء وهناك في البحر تقف عدة سفن.. لماذا لا تأتي على هنا.. فينظر إلي أحد العمال.. الهزيلين. المقطعي الملابس.. الحافيين. وأين نقف إن هي أتت هنا. وأشار إلى الرمال المتكدسة على الميناء. أذن لا بد أن أعود.ز لأنه.. ليس لدي مكان في هذا العالم.
وغادرت المدينة.. والنار لا تزال تلتهم العشش. والفقراء مرميين في العراء.. لا مكان لهم ولا مأوى ولا علاج. لا شيء مطلقا.. سوى الألم. وارى أمامي قافلة طويلة تمضي إلى ما لا نهاية في وسط الصحراء فالحق بها.. فإذا بأحدهم يقبل نحوي..
-إلى أين يا صديقي..
-معكم اينما ذهبتم..
فيبتسم الرجال وينظر إلى بشرتي السمراء.. كان اسمر مثلي.. وكانت كل القافلة.. كذلك سمراء..
-أننا "أخدام " يا صديقي..
-ولو.. لقد أصبحنا كلنا "أخدام" لتفاهة تعشش فوق صدر بلادنا.
وتمضي القافلة وأنا معها فيرتفع من الوسط صوت امرأة حزينة.. لكنه صوت قوي. يردد أغنية فيها الأمل. وفيها الألم. فيها كل مأساتنا. ويسكت الصوت ليرتفع صوت الذي كان بجانبي.. بنفس القوة.. وبنفس النغمة الحزينة.. التي تحمل الأمل.. والألم. وينتهي كل شيء.. بأن أجد نفسي فوق باخرة تشق عباب البحر. تمضي نحو المجهول.
ويصمت رفيقنا البحار لنغوص في دوامة كبيرة من التفكير يقطعها الصنعاني قائلا:
-هكذا نحن. وهل هكذا سنستمر..
-ولكن البحار يجيب:
-كنا كذلك.. ولكننا لن نستمر..
ونعود جميعا إلى الصمت.. نفكر في المأساة. المأساة كل يمني.. بلا مأوى . بلا سكن. حتى.. بلا أمل . ورأيت في عين"البحار" ألم دفين. كان يقول:
"لقد رضيت أن أتنازل عن قبيلتي وأسير مع " الاخدام ".. ولكني لن أتنازل عن "إنسانيتي".
(18)
لم أحدثك عن القرية منذ رمن بعيد. منذ تركتها .. أن الأحوال لا تزال كما هي. ذهب موسم الأمطار.. وأتي الشتاء. ومعه المجاعة. هناك عشرات.. بل مئات من الأسرة تشردت هذا العام.
كان الوقت ليلا. والقمر يرسل أشعته الأخيرة. قبيل أن يغيب. وسط السحب.. وهواء البحر الرقيق يداعب وجوهنا.. بينما يصفر الصنعاني. لحن أغنية صنعانية قديمة ثم ينطلق بكلماتها. وبجانبه كان " البحار " يرسل نظراته الحائرة القلقة دائما إلى المجهول. ثم يغمض عينيه ليسترسل في أحلامه. بينما كنت أنا أنظر إلى الجميع.. فض رسالة حملها "الجمال" لي منذ ساعات. ونسيت تلاوتها.. وبانت الحروف صغيرة.. والخط غير وأضح.. وبدأت الكلمات تتراقص أمام عيني. ثم تتراقص حتى أصل إلى التوقيع.. "محمد مقبل" . ثم أعود إلى البداية من جديد. واهتزت الورقة. وتراخت يداي وقدماي. وشعرت بالحرارة الخانقة.. تسري في جسمي. وبدأ العرق يتصبب من جسمي. وسكنت صفارة الصنعاني. بينما بدأت عين البحار ترمقني بقلق وأضح.. كانت الورقة تهتز بعنف وجعلت أحدق في الغرفة ثم أعود لا حدق في الكتابة من جديد.
وشعرت بيد الصنعاني تهزني بقوة ونظرت إليه.. كنت قد نسيت وجوده. بل لقد نسيت وجودي. دقائق بسيطة لا تتعدى الخمس. شعرت فيها أنني بعيد عن هذا العالم.. وسمعت صوته. صوت الصنعاني. كأنه فحيح أفعى. كان يهزني. وكان يتكلم.. ولكني لم اسمع ما قاله..
وهزني بعنف.. أكثر من قبل فخفض راسي.. ثم مسحت حبا العرق المتصببة.. ونظرت إلى الجميع.. وسمعت صوت الصنعاني واضحا..
-مالك..؟
-وأشرت له بالخطاب.. وخرجت الكلمات من فمي ميتة..
-لقد ماتت..
-من؟
ماتت.. لا أدري كيف.. كل ما هناك أنها ماتت..
-وهزني من جديد..
ولكن من هي التي ماتت..
ونظرت إليه في استغراب..أهو لا يعرف إلى الآن من الذي مات؟؟ ثم نظرت إلى "البحار" كأنني أريده أن يفهم الصنعاني.. ولكني رأيت عيون البحار تتابعني في فضول وتساؤل.ز من مات.. ؟؟
وأشرت لهم بالخطاب..
-ألا تعرفون من مات.. وارتفع صوتي فجأة.. اذن ماذا تعلمون هنا..؟ وانزع الصنعاني الخطاب من يدي.. وبدأ يقرأ بينما غبت أنا في تفكير عميق.. وسطور الخطاب القليلة تظهر أمامي في وضوح..
"الولد نعمان.. حفظه الله..
انتقلت إلى رحمة الله.. هذا اليوم زوجتك.. هند .. وهي تضع مولودها. الأول. وكانت الولادة صعبة مما أدى إلى وفاتها..ووفاة الولد.. أرجو أن تتحمل الصدمة.. فإن لله وإنا إليه راجعون..
والدك محمد مقبل"..
وتساءلت.. هذه الكلمات البسيطة.. بل التافهة.. تحمل كل هذا النبأ.. ماتت.. ولكن كيف ماتت؟.. ولماذا؟ أنها لم تخبرني بذلك عندما تركتها تبتسم في الوادي.. ولم تخبرني حين وضعت يدها على بطنها.. تقول..
-أن في داخلي شيئا يتحرك يا نعمان..
كانت مسرورة أنها ستلد.. وكانت تقول لي دائما أنها تتمنى أن تلد "ولدأ" يكون مثلي.. قويا.. وسيما. ثم يموت كل ذلك التوقد.. والقوة الخارقة.ز أنني أعرفها تعمل في اليوم أكثر من عشرين ساعة أحيانا.. فلا تتألم ولا تشكو. كانت تعمل في البيت. وفي الحقل. وفي كل مكان. أنني لا زلت أذكر.. أننا ذهبنا يوما لنأتي بحشيش للماشية من مكان بعيد عن القرية فحملت أكثر من عشر حزم بينما حملت أنا " حزمتين" أثنين وكنت أزحف تحت حملي.. بينما مضت هي بحملها الثقيل إلى أن وصلت الدار. ثم عادتا إلى منتصف الطريق لتحمل معي. كل ذلك النشاط يموت. أنني لا أصدق مطلقا.. ولكن ها هي ذي السطور الخمسة تظهر أمامي.. مرة أخرى.. هل جن محمد مقبل ليخبرني بذلك..؟ لا يبدوانه جن.. ولكن لا.. لقد رأيت الجمال وهو يمد لي الخطاب كان يبدو حزينا.. وكان مترددا في عطائي الخطاب.. ولكني لم ألا حظ ذلك. لقد كنت اليوم مسرورا.. حتى أنني نسيت أن أسأله.. ككل مرة.. عن صحة العائلة. وهو بدوره لم يخبرني اليوم عن شيء.. وأن مد الخطاب.ثم رأيت سحابة حزن مر على وجهه المتجعد. وتناولت الخطاب ووضعته في جيبي. ومضيت للعمل. ونسيته حتى الآن. يا الهي.. أكثر من عشر ساعات وهي ميتة في جيبي.. أه لقد ثبت الحقيقة أنني لا أحبها.. أثناء.حياتها.. أو بعد موتها..لقد ماتت ولكنها كانت تقوم حتى أثناء موتها بعملية خلق. كعملياتها الخلاقة طول حياتها.. ولكن هذي العملية أدت إلى هزيمتها. لأول مرة. هل أضع لها تمثالا في قلبي.. حتى أتذكرها إلى الأبد.. وصعقني هذه الكلمة الأخيرة. أذكرها.. أتراني سأتذكرها حقا. أنا الذي لم اتكلم عنها مدة الأشهر الخمسة التي قضيتها في "عدن" كأنها لم تكن موجودة في الحياة. نعم لقد كنت مقصراً في حقها. وهي حية. ولن.. ما العمل الآن؟ وكيف أستطيع تذكرها..؟؟
ونظرت حولي. كان الوجوه التي تحيطني قد تحولت إلى ألوان شاحبة حزينة. لماذا يحزن هؤلاء.. هل مات لا حدهم إنسان كان يحبه.. كان يحبها نعم. لقد كنت أحب "هند" منذ زن بعيد.. ولكن هذا الحب مات.. بعد فترة قصيرة. لست أدري لماذا .. أم لأن نساء المدينة قد أثرن في إلى درجة نسيت فيه كيف تكون نساء القرية. ولكن. هل كنت أحب " هند " ؟؟ ذلك سؤال لا بد أن أجيب عليه.
ورأيت أن الوجوه الصفر التي أمامي ما زالت تحدق في. ماذا يريد. هؤلاء من؟؟ لماذا لا يدعوني أفكر أتذكر ما هو هذا الشيء.. ؟ يا الهي. ما الذي حدث. العيون تلتهمني. لا بد أهرب. إلى أين ..؟ لا بد أن أبكي.. أبكي. نعم.. أنني لم أبك حين علمت بالخبر. حقيقة.. لقد أصبت بالدهشة. لأنني لم أكن أنتظر من "هند" بالذات أن تموت. لكني لم أبك. لماذا.. لا بد أن أبكي. نعم لابد. أيتها الدموع لماذا لا نزلين.. أنني أرجوك.. ولكنها تأبي .. هل جفوني مصنوعة من الزجاج.. تتأثر.. ورأيت قطرات من الدموع. تتساقط من عين الصنعاني . ترى ما أنني أرجوك.. ولكنها تأبي .. هل جفوني مصنوعة من الزجاج ما الذي جعله يبكي أن الذي مات لم تكن زوجته. بل زوجتي أنا .. ولم يكن طفله. بل طفلي. بل طفلي أنا. فلماذا يبكي أذن؟؟ لا بد أن هناك أمرا. نعم. لعله تذكر. زوجته .. أن ذلك جائز وهذا "البحار " أليس لديه أحد يتذكره فيبكي.. لعلي أستطيع أن أجد من دموعهما.. مساعدا لدموعي أن تنزل. ولكن البحار لا يبكي. صلب عينيه في القضاء. وأدار في فمه كلمات لا تسمع. ما هي يا ترى .. هل يقول مثل محمد مقبل " أنا لله وأنا إليه راجعون " . من هو الله هذا الذي أوجدنا في هذه الحياة. ليأتي في النهاية يقول أنا ليه راجعون. هل نحن مقيدون به بحيث أننا لابد وأن نمضي إليه. إذا كان الأمر كذلك لماذا لا يدعنا نتمتع بشبابنا. ثم، حين نشبع من كل شيء لا مانع لدينا.. أما أن يأتي إلينا ونحن لم نزل في زهرة العمر ليقول لنا أننا إليه "راجعون ". من هو الله هذا الذي أوجدنا في هذه الحياة. ليأتي في النهاية يقول أنا إليه راجعون. هل نحن مقيدون به. بحيث أننا لا بد وأن نمضي إليه. إذا كان الأمر كذلك لماذا لا يدعنا نتمتع بشبابنا. ثم ، حين نشبع من كل شيء لا مانع لدينا.. أما إن يأتي إلينا ونحن لم نزل في زهرة العمر ليقول لنا أننا إليه "راجعون " لا بد وأنه "ظلم". لماذا أخذت يا رب "هند" ما الذي عملته فيك.. أنها ما زالت شابة.. كانت تحب أن تتمتع بشبابها أكثر مما تمتعت.. شابة؟.. من قال أنها شابة..؟ ألم أقل من قبل أنها بدأت تشيخ . نعد أنني أذكر ذلك جيدا.. كانت تعمل. وكانت تجهد نفسها. فبدأت وكأنها كبيرة في السن. لم تكن تهتم بنفسها. ولم تكن تعطي جسدها حقه من الراحة. كانت تعمل ليل نهار.. كأن العمل شيء مقدس لا بد من أدائه. لا بد أنها أذن لهذا ماتت..
شعرت بيد تهز يدي التي كانت ممدودة. من الذي مدها. هكذا .. أنا .. أنني لم أفعل ذلك .. لا بد أنهم هم الذين مدوها. هكذا . لكي يصافحوها.. هل يتصافح الناس. ضد الموت؟؟ لماذا يشدون علي يدي؟ أنهم يشجعوني.. أن الذي يحتاج إلى التشجيع هي هند.. لكي تستطيع تقبل حياتها الجديدة. لعلها هناك تجد سعادة. أكثر مما وجدته هنا. أنها على الأقل قد تخلصت من المجاعة.. ومن العذاب. ولكن "محمد مقبل" لم يقل كيف ماتت هل "تألمت".. لا بد أنها تألمت كثيرا.. وصرخت وتقلبت على جوانبها.. لا بد وأنها ماتت وهي تشكو من الجوع.. أنها تحمل كل شيء من أجل سعادة الآخرين.. كم كانت صموتة.. لا تتحدث كثيرا. ولكنها تبتسم .. ولا تتألم ولا تشكو.. كانت في المنزل. وكأنها ليست موجودة.. دون صوت .. ودون ضجة.. حتى عندما نخلو.. كانت هادئة دائما.
هل أنت سعيدة.. فتهز رأسها.. كلا
هل تشكين من شيء.. فتهز رأسها.. كلا
هل تريدين شيئا فتهز رأسها.. كلا
كانت تعمل في صمت.. وتنام في صمت.. وتبتسم في صمت.. كانت مثل أرضنا شابة وخطها الشيب سريعا.. ولكنها تعمل في هدوء وصمت لا تتألم ولا تشكو. ولكنها تبتسم وتعمل. وتنتج. بلا توقف. وبلا أمنان.. لقد سقطت الأرض صريعة الطبيعة.. فهل أدركت هند أن دورها هي أيضا. مع الأرض صريعة الطبيعة.... لا بد أنها ظنت ذلك.. فذهبت. يا للمأساة ستعود الأرض غدا.. ستنتج من جديد.. ولكن هل ستعود هند.. لا بد أن تعود.. نعم .. أتسمعيني يا هند لا بد أن تعودي..وأضرب الهوى بقبضة يدي.. ثم أنكب على الفراش لا غسله بالدموع. ويخلو المكان.. وأشعر أن جميع الأخطاء التي ارتكبها قد انزاحت. أنني أسقطت دمعة على .. "هند" . لم تكن شفقة أو رحمة ولكن دمعة حب. فلأول مرة أدرك مدى حاجتي لوجودها.. لقد كانت كل شيء في حياتي. دون أن أحس بها.
(19)
ماتت " هند " وخيم على المنزل في " القرية " نفس الهدوء ونفس السكون.. لقد كانت " الدينامو " الذي يسير كل شيء فيه.. أن المنزل يشكو الألم. وكل ركن فيه يردد .. لمسات يدها.. الحانية .. لقد كانت أما.. حتى للأحجار.
ولكني مازلت أعيش في " عدن " التقط. أخبار القرية.. من كل إنسان لقد أدركت لأول مرة مدى ارتباطي بالقرية.. حيث تدفن في ترابها.. جميع أحلامها. ولكن أيضا من خلال ترابها ستولد كل أحلامنا من جديد. هناك القلب الحي.. المتفتح أما هنا. يا صديقي فلا شيء سوى جسد ميت بلا قلب.. مجرد أله كبيرة تلتهم الناس والجبال والمعادن. كل شيء فيها سواء.. بلا تميز .. لأنها كما قلت بلا قلب مطلقا.. وأظن أن جميع من فيها أيضا قد فقدوا قلوبهم.
مدينتنا كبيرة جداً.. حتى أنني لا أعرف حقيقة خفاياها. وفي الليل تلمع المدينة تحت أضواء لا نهائية ويلتهم البحر في أعماقه ضجيجها ومآسيها. كما يبتلع الناس الذي فقدوا الأمل في حياة سعيدة.
وهناك جوانب الجبال حيث تنام أكواخ عارية.. سوى من السعف والأخشاب يتمدد العالم لا نهائي. يحمل في طياته حقيقة القلب الإنساني الممزق. هناك أقضي هذه الأيام أوقاتي.. بين أحضان امرأة. وتحت تأثير زجاجات الخمر المتتالية. هل معنى. ذلك أنني فقدت الأمل ؟؟ أضن. لان الأمل أما أن أكون فقدته منذ أن ولدت. وأما أنه يعيش.. وسيظل يعيش إلى الأبد.
مضت أيام وأنا أفكر.. ثم وأنا لا أفكر. أن أشياء بسيطة تصنع منا مآسي.. وأشياء أكثر بساطة.. تجعلنا سعداء. آذن فقد ماتت " هند ".
هذا هو استنتاجي الأخير.. بعد كل ليلة شاقة.. مرعبة . ثم أجد نفسي بين أحضان امرأة.. من هي؟ لا أعرفها. مجرد امرأة وجدتها في الطريق.. فأخذتها لكي أصب عليها لعناتي..
وتمضي بنا الأيام.. لنجد في النهاية مهزلة كبرى. تحاك حولنا. أنني لا أعرف كيف أعيش؟ لأنني لم أتعلم ذلك إلى الآن. لذلك أجد أن كل صدمة قد تؤخرني على الوراء.. وقد تقدمني خطوات.. ولكن الذي أعرفه الآن تماما شيء واحد.. كان يردده الصنعاني من قبل.. أن نسكر ونسكر.. ثم ننسى أننا أحياء، وحين أبدأ في تنفيذ هذا الشعار.. أجد كلمات أخرى أبسط وأكثر وضوحا.. أن نسكر شيء جميل. ولكن لن ننسى تلك هي المشكلة.
أن الخمرة قد تفقدنا الوعي.. ولكنها لا تنسينا. بل تجعل الأشياء التي نريد نسيانها كشريط سينمائي. يتكرر أمامنا بوضوح أكثر مما قد. تفقدنا الوعي.
تلك هي كلمات محمد مقبل. وأنا محتار رغم أن الصنعاني قد ترك " شعاره " وأصبح أكثر تقدما من . لعله وجد أن محاولته لا تجدي.
أحيانا حين أنظر إلى المدينة من تلك الأكواخ الرابطة تحت أقدام الجبل.. أجدها كعملاق فتح ذراعية القويتين. ليخطف كل شيء في أعماقه. ثم يبتلعها أو يقذف بها على الخارج الهائج. وأحيانا أراها جميلة. رقيقة. كفتاة عذراء. يصطبغ وجهها بحمرة الخجل. حين تنظر إلى حبيبها. ولا أدري أي الصورتين تطابق واقع المدينة الحي. المتحرك. المليء بالضجيج عجلات قاطرة تبتلع الشريط في جوفها. ثم تقذف به خلفها. ودون توقف. ترى ما الذي حل بالشريط.. أنها الحياة. بكل ما فيها من روعة.. ومأساة. ولكننا نحن اليمنيين لا نشعر. إلا بمأساتها. هنا نجتر ليالينا السوداء.. تحت أضواء خافتة.. في الجبل. أو السيسبان في أحضان عاهرة. أو في مضغ أعشاب خضراء من القات. أو احتساء خمره لا تنهي.. كلما شربنا ازددنا ظمأ.
القمر يرسل أشعته.. فيبدو حزينا. وحيدا. بل رفيق. ومن حولي تنبعث ضجة خافته. إنها " زينب ".. عاهرتي الجديدة.. التي تحاول أن تنسيني. حياتي.. ولكنها لا نستطيع أن تنسى حياتها هي. أنها جميلة نوعا ما .. في الخامسة عشر من عمرها لكنها الخريف. ذات عيون ذابلة.. وشفاه صفراء ميتة.. وأنف. عرف رائحة الطين مرارا. وأخيراً جسد.. تتمدد فوقه.. كل طبقات بلادنا. وها أنذا.. أخذ دوري.. فوقه.
وفي هذه الأيام العشر التي رأيتها فيها.. استطعت أن أخرج منا شيئا جديداً. لعله الوفاء.. قالت لي في أول لقاء..
" أني أريد عشرة شلنات من أجل ليلة واحدة. ودسست تلك العشرة في يدها.. ومضينا إلى بيتها.. وما زالت تملك العشرة اليتيمة التي دفعتها لها. لعلها تنظر من المزيد.. ولكنها لا تطلبه. كل ما تريده هو أن تأتي وتتمدد بجانبي.. ثم تقول .. أعطني قليل من دفئك".
وابتسم.. لأنني أنا الذي كنت أطلب دفئها. ثم تستمر قائلة.. أنك تموت نفسك يا صديقي. فالخمر تعبها بلا طعم والجسد تمضغه بدون شهية. حتى النوم لا تعرفه جيدا.. دعني أضع قليلا من الهدوء. فأجيبها.. أنني يا صديقي أريد أن أعيش. أن أسكر. وضاجع.. وأنام. وأعمل كل ذلك. لكي أعيش.. لكي أعرف معنى الحياة.. معنى وجودي.. ولكنها تطلب مني.. (أن أحب.. لكي أعرف الحياة).
وأسالها .. هل أحببت؟؟
فتتنهد. ثم تلتصق بي. أنه هو الذي دفني إلى هنا.. وتضرب صدري بيدها.. ثم تغوص فيه ها هي ذي تقترب وتتمدد بجانبي.. وتضيف.. دعني أنسيك ألامك. أنه نداء مغر.. ولكن أمقته. لا أدري لماذا.. هل لأنني أدوس بقدمي هذه فتاه في عمر الربيع. ولكني لا صدق.. لأن المدينة بصمتها وضجيجها تدوس كل ليلة. ألاف الفتيات.. كما أنها تسحقنا نحن الذي نتصبب عرقا طول النهار.
زينب ملأت حياتي. واستطاعت بك بساطة أن تشعرني بأن هناك في الحياة.. أشياء جميلة. ولكن الذي يصنع لي الألم.. هو أنني كدت أنسى هند.. وأن فتاة صغيرة عرف كل أنواع الرجال جسدها.. هو الذي أنساني زوجتي. لماذا أبكي؟ كلنا نموت. وهنا أنستني مأساة الإنسان. وهناك تحت هذه ألعشه التي فيها مع " زينب " تمتد إلى ما لا نهاية إلى أطراف البحر طيور لا تنتهي. وفي كل يوم أشهد أنسانا جديدا يدفن. وأتخيل كل إنسان في كفنه الأبيض.. وجسده الهامد.. "هند" .. وهي تضم إليه الإنسان الذي ولدته وماتت معه.. أبنها. وأبني. عندئذ أشعر بالمأساة ليست مأساتي أنا وحدي ولكنها مأساة الكل فأتألم وأبكي. على كل إنسان يدفن هناك تحت نظري. وأنا .. أنا الإنسان لا أستطيع ألا أن أشاهد وأبكي. أليس في استطاعتي أن أقف أمام الموت. صائحا -: قف مكانك لا تحاول ن تأخذ البشرية.
وأن أبي.. مسكت بحربته التي يحملها.. وأنتزعها ثم أغرسها في أعماقه وأخلص منه البشرية.
آه. كم أكره الموت. أنه يبدو لي كريها.. هناك تمتد أمامي المقابر. فأخلها. مدينة كبيرة عامرة. يعيشها موتاها. وليست تلك القبور سوى مكان يأوون إليه حين يشعرون بالتعب. أنها حياة. ويزيدها صخبا ضجة الأموات. والزبد الأبيض الذي يمتد إلى أطرافها. حياة أشاهدها كما شاهدها من قبل "البحار". هناك في الشمال على أبواب (زبيد). أنها في كل مكان وفي كل عصر . حكاية تكررت منذ لازال . واستمرت فيه الإنسان أن ينتصر على الموت . ولكن صورة أخرى تظهر من خلال هذه الضباب الذي أعيشة . انه شعبنا . أتراه سينتصر هو الأخر على الموت . على النسيان أتراه سيبني من جديد مأثره وسدوده .. أتراه سيتحدى القدر .؟؟ سيقف أمامه هازئاً ؟.. أنني أؤمن بذلك أحياناً . وهاهي ذي (زينب )استطاعت أن تنتصر على مأساتها .. ولو أنها عاشت في مأساة أخرى .. إنها تبتسم دائما كأنها فتاة عذراء .. فتبدو لي كالشمس وهي تشرق من وراء البحر . فأضمها بين ذراعي وأطبع على شفتيها قبلة .. ثم تتمتم قائلة :
-أتحبني ..
-كلا فأنا لا أحب أحد ..
فيبدو على وجهها الصغير المصفر تجاعيد شابة. ثم تهز رأسها وتنظر معي إلى الأفق ثم تقول: مهما كان سيأتي يوم تحبني فيه.. وأجيبها وأنا أحدق في اللانهاية..
-لماذا تظنين ذلك؟؟
-لأنه لا بد وأن بحب الناس.. أنك لا تستطيع أن تعيش بدون الحب.
-وتعيشين أنت به.
تهز رأسها..
-نعم أني على الأقل أحبك..
-شكراً عزيزتي. كل ما أريده هو أن أنسى.. لا أن أحب..
-النسيان عملية صعبة.. ولكن الحب شيء بسيط. أسمع مني إذا أردت أن تعيش.. فحب الناس. أنسى أخطاءهم.. ومعاملتهم..وهبهم حبك. عندئذ فقط تستطيع أن تنسى وأن تعيش.
وأسكتها بقبلاتي.. ولكني أرى أمامي شبحين يقطعان الطريق الحجري الذي عشقناه في تمهل. ثم يقتربان منا فإذا بهما " الصنعاني " و " البحار " . تهب زينب من أحضاني وتذهب إلى داخل ألعشه بينما أجلس أنا على السرير. في تلك الردهة الصغيرة التي يحيطها سور الأخشاب والزنك وحجار الجبل.. أرى زينب من خلف الستار تنظر إلى القادمين كأنها فتاة خجولة تخاف أن يكتشفها الناس. ما أروعها حين تكون بريئة وتفتح الباب. ويدلف " الصنعاني " بقامته القصيرة وجسمه الممتلئ.. وعلى جسده نفس الملابس القديمة. ويدلف بعده " البحار " بقامته الطويلة وجسمه النحيف.. وعلى رأسه مشده جديدة. وفي يده خيزرانة رائعة.. ويبتسمان. مد الصنعاني يده وشد على يدي بقوى وشوق..
لقد افتقدناك كثيرا..؟
بينما ينظر إلي البحار باسما..
-أظن أنك قد نسيت أننا أصدقاؤك.. وأصافح البحار بحرارة.. فهذا الإنسان الذي لم أعرفه ألا من شهر أصبحت أشعر أنه قريب مني. وقريب جدا. كان يتألم من أجلي كثيرا.. كأننا رفاق منذ الصبا. وسمعت صوته. وقد صبح حالما هادئاً.
-لقد غبت كثيرا ولم تخبرنا بذلك. وشعرت بالسعادة تغمرني وأنا أراهم بجانبي. وأحسست كأني مريض.. يزورني كل أهلي. وأنطلق الصنعاني يتحدث..
-أذن هكذا ببساطة تتركنا وتذهب..
- هاه أوه أنك لعين. أن الناس عندما يحزنون لا يأتون إلى هنا لكي يبكوا أنهم على الأقل يذهبون إلى المقابر. وقاطعته مشيرا إلى مدينة الأموات. التي تمتد إلى ما لا نهاية. وهز رأسه..
-أنه توقع فريد.. أليس كذلك..؟
قالها " البحار الذي كان ينظر إلى المقابر نظر إلى المقابر نظر عميقة..
-أنها تذكرني بزبيد.. قالها بصوت مخنوق.
-نعم أن كل شيء فيها لم يتغير. أن الإنسان ليتألم.. وهو ير ضعفه أمانه. وصرخ الصنعاني..
-دعنا من الحزن ألان.. أننا أتينا. لكي نشارك صديقنا حبه.. أليس كذلك .. ثم همس في أذني.. أعرف أن ذوقك مرهف.. من هذه الناحية.
أجبته " يا صديقي صدقني أنني لم أنظر إليها. عندما أتيت. لا ني لم أكن أريد الزواج."
ومالت الشمس إلى المغيب خلف مياه البحر. فعكست أنوارها الحمراء على رمال المقبرة البيضاء وعلى الألواح الحجرية المنصوبة على كل قبر.. وعلى تلك القيمة الكبيرة التي تتوسط المقبرة ـ أنها رائعة. هناك تغيب الشمس.. وهنا يدفن الإنسان. وهناك في قلب المدينة يتألم الكثيرون.. بينما آخرون يمسحون العرق من فوق أجسادهم .. وهم منهكون. في داخل كل منهم حلم كبير في حياة سعيدة. وفي أحضان أناس يحبونهم. أنه لا يعرف أن المصير هنا على بعد خطوات. ما ألعن أن نعيش لنموت.
وخيم الصمت علينا. نحن ننظر إلى " البحار " وهو يودع الشمس.. وينظر إلى المدينة والمقبرة. كان كل شيء قد أصطبغ باللون الأحمر. حتى وجه الصنعاني والبحار. وسمعنا أصوات الأمواج.. وهي ترتطم على رمال وصخور الشاطئ. بينما الزبد الأبيض يتحول إلى رمال.. تحت أقدام لمقابر.. إلى لون أحمر.. أحمر كالدم.
أنها دماء لأموات.. تنبعث من أجساها. أنهم ما زلوا أحياء.. يتألمون… ويلعنون كل شيء.. ثم يبصقون دماءهم حتى البحر.. أنه يعرف سرهم. ولكنه لا يتكلم. أنما يمتص دماءهم في جوفه.. ثم يعود غلى الشاطئ من جديد.
كان البحر يتكلم ونحن نستمع إليه .. وشعرت بشيء يشدني.. ورأيت في الأفق.. صورة صغيرة. بدأت تكبر. كلما اقتربت منا.. كان وجها أحمر في ملابس حمراء.. وبين يديه شيئا أحمر أيضا.. ورأيت قطرات تساقط من بين اليدين.. وكذلك. قطرات أخرى تنزل بغزارة من الرجلين.. ثم مرت الصورة. من فوقي مباشرة. وشعرت بقطرات تتساقط فوقي.. أنها هي؟ وصرخت بعنف.. هند .. هند..
والتفت الجميع إلي.. ثم قال الصنعاني. بصوت أخرجني من ذهولي..
-أنها السماء. بمطر.
ودخلنا ألعشه. وهناك كانت " زينب " تصنع شيئا ما. على النار. والتفتت عند دخولنا.. وأشرت إليها أن تقترب.. ونظرت إلى الأصدقاء وقلت لهم في صوت خافت. هزيل.. وأنا أشير إليها.
-هند.. أنها هند ثم التفت إلي الصنعاني قائلا: أليست هند جميلة..
وخيم سكون عميق. وقادتني " زينب " إلى السرير. كان العرق يصبب مني بغزارة.. وشعرت بالارتجاف. ثم رأيت عددا من " الكنابل " وهي ترمي فوق. وسمعت صوت الصنعاني يقول.. أرأيت ؟؟ أكان ضروريا أن تتحدث..؟ وأجابه البحار. لا تلمني؟؟ إنها الذكرى طغت علي..
بينما قالت لهم زينب بهدوء.. أنه ليس ذنبكم.. أنه ذنبي أنا.. أردت أن أنسيه شيئا عزيزا عليه. دون أن أفكر. أن هناك أشياء لا تنسى. كنت أظن.. أن الناس مثلي .. ينسون كل شيء بمجرد أن يشعر , أن حياتهم ستكون سعيدة.. حين يحبون.
ونظرت إلى الأصدقاء الذين كانوا ينظرون إلي بهدوء. وفي داخل كل منهم صور عديدة تتصارع ثم رأيت كلا منهم يتسحب في هدوء.. بينما أشتد ارتجافي، وبدأت أردد.. كلمات متقطعة… هند.. هند.. الدم مطر.. لا أريد أن أرى شيئا.. أبعديه عني.. أرجوك الدم يغرقني.. الأمطار أنها تهدم كل شيء.
وتساقطت قطرتان على خدي.. ثم شعرت بالجسد الصغير. النحيل. يمدد فوقي. لم يكن شيئا آخر.. يدفئني سوى جسدها. قطرات تتساقط من عينيها وقبلات حارة طبعتها على كل مكان في جسدها كانت تتعذب من أجلي.
(21)
عدت إلى المقهى فجأة. تركت كل شيء. زينب. عشها. وجسدها.. وعدت إلى الأصدقاء. إلى الغرفة. ذات السرر الخمس. والضوء البسيط. والكتب التي احتفظت بها في صندوق خشبي. صغير. تحت سريري.
واستقبلتني الوجوه.. الكادحة. التي خططتها التجاعيد.. وهي لا زالت شابة. ولكن الابتسام ألابتسام الذي كان يرتسم على تلك الوجوه يوحي بالثقة.. والإيمان. ورأيت يد ذات أصابع سمراء.. نحيلة تمتد إلي وتشدني. وجدت نفسي أغيب في صدر عريض يملاه الشعر الأسود الكثيف كان " الحاج علي " بسنواته الستين يعانقني. في حب عميق كان كل ما في المقهى ينظر إلي وكأنني إنسان جديد . خلق أو خرج من القبر. لماذا فشاركوني في هذا الألم. لكني لم تمزق.. كان الما بسيطا ثم أغرقته في بحر آخر.
سمعت صوت الصنعاني وهو يقهقه من داخل المقهى. لم أكن قد رأيته بعد وأشار إليه صاحب المقهى قائلاً.
-لقد بدأ يشرب من جديد. وبكثرة هذه المرة.
-ولكني سألته بدهشة.. لماذا؟؟
ألا تعلم.. لقد أقفلت الشركة أبوابها .. وأعلنت الإفلاس. وطردت كل العمال حتى.. حتى أنا .. أليس كذلك؟؟
وشعرت بسكين حاد يخترقني.. لماذا طردت؟؟ أنا لم أفعل شيئا.. لقد أخذت من الشركة أجازة بعد وفاة " هند " وها انذا مستعد للعودة للعمل. ورأيت الصنعاني يقف أمامي. كانت عيناه غائرتين وجسده يهتز بعنف. ورأيته يبتسم. أنه لم يكن كذلك منذ أسبوعين. حين أتي لزيارتي في الجبل. أيتغير الإنسان بهذه السرعة. وارتمى يعانقني وسمعته يتمتم..
-لقد عدنا إلى الضياع من جديد. حتى أنت..
وأشار بأصبعه ـ حتى أنت هذه المرة..
-أن أمامنا العالم كله.. فلماذا نحزن… وهز رأسه..
نعم. ولكن هذا العالم هنا.. آه ما أتعسنا.
وذهب كل إلى سريره. كانت كل الوجوه تنسم عن شيء وأحد الفراغ. وأشرت إليهم..
حتى هؤلاء طردوا ؟؟
-نعم. الجميع.. ما عدا. البحار. فإنه ما زال مستمرا في عمل أنه ليس في شركتنا.
وجلست على سريري أنظر حولي في استغراب. كان كل شيء قد تحول في هذه المرة.الناس كل يجلس على سريره بنظر إلى الأخر بفراغ.. ومنهم من قد نام وآخرون يقفون على باب المقهى ينظرون إلى الشارع. آخرون تمردوا على كل شيء.. حتى على أنفسهم. ولم أعد أرى تلك الملابس المزركشة. التي كان يلبسها شباب " المقهى " بعد العودة من العمل.. كان كل منهم يلبس ملابس عادية.. ولا يهتم بشيء.
وأدرت النظر فغي الجميع.. حتى الصنعاني رأيته قد تمدد على السرير وراح في نومه وسمعت شهيقه.. وهو يتقلب فوق السرير.
ومد الحاج علي خطاب إلي وهو يقول..
-لقد وصل هذا منذ أيام. كنت أريد أن أرسله لك. ولكني لم أعرف أين كنت.. لذلك احتفظت به معي.
-شكرا. أرجو أن تكون أخبارا طيبة..
وفتحت الخطاب. مررت بعيني سريعا.. على كل شيء لأرى في النهاية توقيع " محمد مقبل ". وعدت لا قرأ ما فيه بامعان.. وابتسمت وجعلت أهز راسي.. كان يشجعني ويطلب أن أتحمل.. وأن أعمل بإخلاص. ثم يطلب مني أن أرسل لهم نقودا. ولكي يدفعوا " للشيخ " ضرائب الأرض. والزرع. وإلا تعرض والدي للسجن.
إذن. هناك مصائب في كل مكان. لقد أرسلت لهم حين ماتت هند معظم ما كان معي من نقود. وألان ها أنذا.. لا أملك " سنتا " وأحدا. وقد طردت من عملي. هكذا بدون سبب. أذن ما العمل؟ جعلت أفكر.
رأيت الصنعاني يتثاءب.. ثم يعود إلى النوم شعاع صغير من الضوء يخترق الردهة. ويصل إلى الغرفة. وسمعت خطوات تقبل.. ثم رأيت قامة مديدة تقف على الباب. كان " البحار " قد عاد من عمله. وتصافحنا.. وشعر أن هناك شيئا.. وأريته الخطاب. وهز رأسه. وقال بعد أن أنهى القراءة.
-ما العمل الآن.
-لا أدري. سأذهب إلى الشركة. لعلني على الأقل أجد مستحقاتي. عن عملي فيها..
-وإذا لم تجد..؟
-يجب علي أن أحاول..
-لقد حاول الكثيرون... كان الجواب: الشركة أفلست. ليس هناك فائدة يا نعمان. يجب أن يجب أن تبحث عن عمل.. ولو نني أشك في حصولك عليه.
(22)
نعم ليس هناك فائدة. وها انذا بعد هذه الأيام والشهور. أعيش بلا عمل.. سوى الذكرى ذكرى أيام القرية. وزوجتي.. ثم عملي.
وألان ما العمل..؟ لا أكاد أصدق. أنني أعيش بلا عمل. والتفت حولي لأرى كل واحد من هؤلاء.. الذين كانوا بالأمس يشكون من إرهاق؟ العمل. وعدم وجود راحة كافية.. أجدهم ألان يشكون من الفراغ.. من الراحة هل هذه طبيعة بني الإنسان. يكرهون شيئا. وإذ فقدوه أحبوه. وتمنوا أن يعود.. أظن ذلك.
هل أعود إلى القرية. هذا هو السؤال الذي يواجهني ألان. والتفت إلى " البحار" أحاول أن أعرف رأيه. ولكني أجد همسات تتابع من بين عينيه. فأسكت علني أسمع هذه الهمسات من فمه.. ولكنه صام لا يتحدث. والصنعاني.. أننا لا نراه هذا الأيام. لعل في الحانة.. يعب لينسى. والآخرون.. كل هؤلاء الذين كانوا بالأمس يفيضون شبابا وفتوة.. كسالى.. يتفوهون تفاهات .. وينامون..أو يتهامسون.
-يا ترى هل يرضى صاحب المتجر أن يسلفنا نقودا..؟
ويجيبه همس أخر..
-لا. لا تكن مغفلا.. ألا يكفيك ما أستلفته من قبل..
وصوت ثالث..
-من أين نأكل أذن..
ورابع.. وخامس.. أنهم لا يعرفون كيف يفكرون..
وأرى البحار يعاني الكلمات. ما العمل ..؟ كيف أجبره على الحديث.. ولكن شيئا ما يحدث فجأة .. يقلب أمامي كل شيء. أسمع صوتا.. قويا. معبرا. فيه ألم. وفيه.. مرارة. و..
-فين نعمان؟ . يا نعمان . يا نعمان..
والتفت إلى الصوت الدافئ الحزين .. الذي اعرفه جيدا.. صوت " محمد مقبل ". وارتمى في أحضانه.. كطفل تهاوى فجأة بين أحضان أمه.. بعد بكاء عنيف. وأحسست بالراحة. تشملي. الراحة أو قل الحماية.. لقد عدت طفلا.
ويربت " محمد مقبل " علي.. أنه لا بد يعرف المأساة. وأجلس بجانبه.. وأمانا البحار يحملق في الرجل العجوز الذي حطمته السنين ورأيت في محمد مقبل شيئا جديدا. كان ق غير.. أصبح أكثر نحافة. وظهرت التجاعيد على وجهه بشكل قوي.. وكانت دوائر سوداء كبيرة تحيط بعينيه كسور ضخم. ورأيت في ابتسامته شيئا. كاليأس .. أو.. آه لا أدري ما هو.. شيء كبير جثم على صدري فجأة.. فأحسست بالضياع هل هناك مأساة أخرى..؟؟ وظهر السؤال واضحا فوق عيني..
-نعم يا بني .. أنني أعرف ما الذي حدث لكم.. وهز محمد مقبل رأسه.. وأستمر.. ولكنها مشيئة القدر. وجعل يهز رأسه.
هل آمن محمد مقبل بسرعة بالقدر..؟ هل أصبح فيه كل مأساتنا..؟؟
ولكني لم أدع أفكاري تقودني بعيدا. بل جعلت أحوال أن أؤجل سماع ما جاء به محمد مقبل.. إلى ما بعد. أريد أن أستعد لاستقبال كل ما يريد قوله.
ولكنه لم يراع ذلك. كأن شيئا ثقيلا يجثم على صدره. فوق كاهله.. شيئا لا يتحمله. فهو يتعجل للخلاص منه هل أهرب.. الظروف بالذات. وكيف حال القرية. هل حدث هناك شيء.. لا أضن. لقد سمعت أن الأزهار قد بدأت تفتح هناك.. ولكن على القبور فقط. لعل وردتي الحمراء التي وضعتها على قبر " فتاه الجبل " قد أينعت. هل يا ترى .. أحد وضع على قبر زوجتي وردة. ولكن لماذا يضع.. وما علاقته بها.. ؟ يا إلهي. أترى .. أترى ذلك حقيقيا. كلا.. إنها ملاك. نعم. ولكن كذلك كانت "فتاة الجبل ". جميلة. نقية. ملاك. ولق وضعت أنا على قبرها وردة. أنها حمراء. كلون الدم.. أو كلون الغروب فوق جبال بلادنا.. حين تتحول كل القمم أمامي. إلى حراب ملوثه بالدم. يا لها من مجرمة هذه القمم. تلتهم في أحضانها ألافا من التعساء. يعيشون بلا حياة. بلا غد .. حتى بلا أمل. أنهم يزرعون الأرض.. ولكن ليطعموا الآخرين. أن الأرض ليست بالنسبة لهم سوى قبر يدفن فيه كل طاقاتهم.. ثم كل جثثهم. لا فرق بينهم وبين .. وبين من ... ولكن ما الذي حدي بمحمد مقبل إلى العودة.. أتراه اشتاق لحياة المدنية من جديد. ونظرت إليه .. كانت في عينيه قطرات من دموع تتساقط. لماذا يبكي.. ؟ والتفت لأري البحار. كان هو الأخر في دوامة.. من التأثير.. هل قال شيئا...
-ولكن لم تبكي؟؟ ما الذي حدث..
ورفع رأسه: لا شيء.. لا شيء..
كيف لا شيء . وهذه الدموع.. ولكنه لم يقل شيئا.. أنه هذا الرجل. يتصرف بغرابة.. يبكي وهو لم يصل إلى هنا إلا منذ لحظات.
وكان جو المقهى مختنقا. والحرارة تلهب أجسامنا. ورأيت نفسي سابحا في بحيرة من العرق. ورغم ذلك فقد كنت أشعر بالبرد.. ورأيت فوق جسي كتلاً متراصة من الملابس.. ما الذي حث.؟ من ألبسني هذه الملابس كلها.. ولم أشعر رغم ذلك بالبرد. وسمعت صوتا يأتي من بعيد..
-أنه يهذي منذ أسبوع..
والتفت لأري من يتكلم.؟ ومن هو ذلك الذي يهذي. ورأيت الصنعاني يترنح في سكره.. لعله هو الذي يهذي. مسكين هذا الصنعاني.. أنه سرعان ما يفقد كل شيء. حين يحس أنه وجد كل شيء.
ورأيت أشباحا كثيرة حول محمد مقل.. وحاولت أن أبعد هؤلاء الناس عنه..أنه يكاد يختنق. ألا ترون. أفسحوا له الطريق. ومددت يدي لا دفع هؤلاء بعيدا.. ولكن ماذا هناك..أنني لا أستطيع التحرك. أنني مقيد.. هنا. فوق سريري..أن رأسي ليشعر الدوخة. أنه ثقيل لا أستطيع حركه. هل انفجرت قنبلة فيه. أن العالم يدور.. الغرفة تتلخبط.. الناس يضيعون من أمامي. محمد مقبل. أين أنت . أين أنت...
ولكن كل شيء ينمحي. ويضيع لا غيب في دوامة. ويقهقه صوت سكير. وأشعر بالصوت يمزق أذني. لا تقهقه.. أيها السكير. أنتم لماذا تقفون هكذا. ابتعدوا. عليكم اللعنة. يا ألهي.. ما الذي حدث.. زينب.. أنقذيني..أين أنت. مدي لي يدك. أنك رائعة. ملاك.. وينتهي كل شيء. ويغيب العالم من أمامي.. ولا أرى سوى الضباب.. أنني أشعر بالراحة.. لقد تخلصت من هؤلاء السخفاء.. أنني هنا وحيد.. أشعر بالراحة.. الضباب يغلف كل شيء. وأرى على بعد.. بحيرة جميلة تحيطها أشجار جميلة.. تحمل كلها أجمل ما يشتهيه الإنسان.. وفوق الماء. أرى ثلاث فاتنات.. كل واحدة أجمل من الأخرى.. وأسرع بالمسير لأرى هذه الجنة التي خلتها.. من دون باب.. ومن دون حارس. يا لهؤلاء الكذبة.. أنهم يكذبون على الناس.. يا للعجب يقولون أن للجنة أبواب.. وعليها أيضا حراس.. من أين يعرفون الجنة ليصفوها.. أما أنا.. فها هي ذي أمامي .. بلا رقيب فلامح .. كيفما شئت وتسرع الفتيات الثلاث إلى حين أصل إلى البحيرة.. كل منهم تريد أن أكون لها . ولكن يا إلهي.. هل أنا أحلم. أم أن هناك خرافة تعيش داخلي.. أنني لست في ا لجنة.. أنني ما زلت على الأرض. أن هؤلاء.. يا إلهي.. وكن كيف وصلن إلى هنا. يا للخبيثات أنهن يعرفن أين سأكون واقتربت أراهن.. أنها " فتاة الجبل السمراء " بابتسامتها الجذابة. وأنوثتها.. وصرخات الشيطان من ثنايا صدرها. أنها جميلة. بل أجمل مما كانت عليه هناك في الجبل.. إلى تريدني.. أنظر الست جميلة.. أنني لك يا نعمان.. خذني. أنني أحبك .. ألا ترى كل هذا الجمال. لقد مت من أجلك فقط. وها أنا أعود إليك. لقد طلبت من الرب أن يجعلني هنا من أجلك..
ولكن الأخرى تقاطعها..
-أنت تكذبين على الرب.. أنا التي طلبت منه ذلك.. أنني أحبه.. وهو لي أنا وحدي..
أنها جريئة لا تهاب.. لعل صناعتها في الحياة علمتها ذلك أنها زينب.. ولكن متى أتت هنا...؟ وتبتسم وتقترب مني .. وتحيط عنقي .. وتبتسم..
- لقد سبقتك بلحظات.. حين علمت أنك تموت.
أموت. ولكني لم أمت. لقد كنت فقط أشعر بالاختناق في غرفة المقهى فهربت منها..
- بل لقد مت يا حبيبي.. وها أنا لك الآن..
- أنها تكذب.. بل أنا لك .. لقد أحببني. فوق الجبل كنت أراك. وأنت تختلس النظرات وتحاول أن تبتسم ثم لقاؤنا وأحاديثنا.. وتلك الوردة الحمراء التي زرعتها فوق قبري. إلا تذكر.. أنها قد أينعت. أنها لك يا حبيبي.. ومدت لي وردة حمراء يقطر الدم من بيد فروعها..
- أنها وردة. انتزعتها من هنا... وأشارت إلى مكان في صدرها تتساقط منه الدماء.. لقد زرعت الوردة. هنا يا حبيبي. فوق هذا الدر الذي يحمل قلبي. الذي هو ملك لك وحدك. أرأيت أنه يدعوك أن تملأه من جديد.
ويتصاعد من خلف الفاتنتين صوت بكاء. وأزيح كل من " زينب " و " فتاة الجبل " وهناك خلفها. وفوق صخرة على شاطئ البحيرة. كانت " هند تجلس نفس جلستها أمامي في الغرفة أو فوق سطح المنزل. نفس إيماءتها. وحيائها. أنها لم تتغير. بل لقد ازدادت شحوباً. واقتربت منها .. ولكنها لم تلتفت . بل استمرت في البكاء. ومددت يدي أحاول أن أوقف تلك الدموع ولكنها تستمر. ومن بين دموعها. كانت تتحدث.
- أيا الخائن. كنت أظن أنني الوحيدة في قلبك. كنت أحبك.. وأخلص لك .. وبعد أن مت طلبت من الرب أن يعيدني إليك. ولكنك خائن لا تستحق أن أكون لك. أبعد عني.. لأنني لا أريد أن الوث هذا المكان بخيانتك.
- ولكن. يا حبيبتي. هند .. اسمعيني فقط..
ولكنها تبتعد وأحاول اللحاق بها. ولكن أبربعة من الأيدي تمتد إلي ..
- إلى أين. اتركنني..
- أيها الخائن. لقد كنت تقول. أنني الوحيدة التي تحبها..
- يا لك من كذاب. لقد كنت تمنى أن أكون معك حتى الموت..
وأرى هند تبتعد. أنها تعرف الآن خيانتي.. وكلنها لا تحاول أن تنقذني منها..
وتمتد ألا يدي الأربع. بعيدا عن هند وبعيدا عن خطاياي. بعيدا إلى هناك. إلى قاع البحيرة.. وترتفع روحي. من جديد. من قاع البحيرة. سوى هند. فوق الصخرة تبكي. وبعيدا.. وبعيدا جدا.. ربما على باب الجنة.. وقفت الفاتنتان لعلهما تبحثان عن من يدخل الجنة.. وترتفع روحي إلى السماء الأخرى.. ألا يقولون أن هناك سبع سماوات.. أذن فلا بد أن هناك سبع جنات. وأن الإنسان يموت سبع موتات.. يا لهذه السبعات المتعبة. حتى الموت يا إلهي.. وأغيب في الفضاء من جديد.
(23)
كانت السارة تقطع الطريق إلى الراهدة وقد تمدد عليها الصنعاني وكنت أنظر إلى جبال الشمال وفي قلبي أغنية عذبة.. لا يهم سأعود مرة أخرى إلى عدن ويبتسم الصنعاني...
- ماء يا نعمان.. سأعود إلى صنعاء..؟
نعم يا عزيزي سنعود إلى صنعاء...
- ماء سيقولون علينا. مزفرين؟
- دعهم يا عزيزي يقولون ما يشاؤون. لقد قمنا بقليل من واجبنا..
وأطلت الراهدة.. ووقف على أبواب الجمرك بعضا الجنود وقال أحدهم ـ ماء أنتم مزفرين ؟ وأجبته دون أن أحاول النظر إليه.. نحن عمال . كنا ضد الاستعمار.. وقهقه البغي.. عا تعلموا إضراب ضد موالانا. عاوديكم حجة..
أما الصنعاني فكان ينظر إلى السماء وهو ممتد على السيارة ويصفر بأغنية صنعانية حزينة.. وقال بعد قليل: شا نكتب جواب " للبحار مه " ؟؟
- والحمد مقبل أيضا..
- سنخليهم يرجعوا صنعاء..
- ليس هناك فرق..
- ونظر إلى وفي عيونه حزن..
- نعمان. هل ستعود إلى عدن..؟
- لم أجبه ولكني رحت أصفر الأغنية الصنعاينة الحزينة...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خالد الحسامي


avatar

ذكر عدد الرسائل : 3451
العمر : 40
الدولة : اليمن
تاريخ التسجيل : 12/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 13 فبراير 2012 - 7:15

رائعة أيتها اليمامه

بوركت جهودك

يعطيك العافية مجهود رائع

تحياتي وتقديري وخالص ودي لكِ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 13 فبراير 2012 - 8:08

ههههههههه
انا بقيت فترة , انزل على جزء جزء شفت مافي تفاعل بخصوصها ,مع ان قصة رائعة
قلت لا ما بدهاش انزلها مرة واحدة , والي عنده فراغ يقرأها .

تراتيل شكري وتقديري لك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فارس4444


avatar

ذكر عدد الرسائل : 11322
العمر : 33
الدولة : اليمـن الجـديـد
تاريخ التسجيل : 02/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الإثنين 13 فبراير 2012 - 18:16

بصراحه لم اقراءها بالكامل

بس شكلها ممتعه

بالرغم من كبرها

الله يعطئك الف عافيه ع المجهود الجبار اللذي تقومين به


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fares4.maktoobblog.com/
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الثلاثاء 14 فبراير 2012 - 6:23

انصحك بقراءتها على جزء جزء , هي رائعة بكل المقاييس
سلمت المرور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
باسم الزريعي

avatar

ذكر عدد الرسائل : 5062
العمر : 34
الدولة : اليمن
تاريخ التسجيل : 10/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الثلاثاء 14 فبراير 2012 - 6:41



شكراً لك يا اليمامة

نسخت كل ما نشرتي هنا لأقرأها في أوقات فراغي ،،،، وقد قرأت كل ما سبق (صنعاء مدينة مفتوحة ) اليوم سأبدأ قراءة هذه الرواية ( المثيرة للجدل) ههههههههههه

إستمري أيتها الرائعة ،،،، كلنا نتابع ،،،،

بالمناسبة :
درست الثانوية في مدينة عدن ودرست هناك القصة ( ليته لم يعد التي كانت ضمن منهج مادة العربي ) وقد درسني أستاذ يدعى ( هزاع )عايش الأديب عبدالولي وكان أحد المقربين منه ،،، أقصد انه شرحها بتفاصيل معايشته للأديب ،، ولكم ان تتخيلوا حجم التفاصيل التي كان يملكها الأستاذ حول القصة وحياة الاديب باكملها ،،،،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اليمامه


avatar

انثى عدد الرسائل : 726
العمر : 38
الدولة : اليمن " عدن "
تاريخ التسجيل : 16/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي   الثلاثاء 14 فبراير 2012 - 11:02

كاتب جميل ورائع
برغم رحيله المبكر الا انه ترك بصمة وابداع لا يختلف عليه اثنان
قرأة موفقة ههههه
يسلموووا المرور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مجلد الاديب الروائي محمد عبدالولي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: ملـــتـقى الشـــعـروالأدب :: القصص والروايات-
انتقل الى: